
العودة إلى الخلوة والأيام الحلوة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
العودة إلى الخلوة والأيام الحلوة
١/ من الأمور التي استرعت انتباهي منذ الصغر ونحن بالمدارس الابتدائية أن أندادنا الذين حفظوا القرآن قبل دخولهم المدرسة أو أكثرهم كانوا أصحاب ذكاءٍ واتزانٍ وفضائل واستمروا على هذا المنوال حتي تخرجهم من الجامعات متقدمين الصفوف في كل تخصصٍ اختاروه وقد نصحت الكثير من الأصدقاء أن يعلموا أبناءهم القرآن وحفظه وتجويده قبل الإلتحاق بالمدارس المدنية ومن ما لحظته انهم كانوا يزدرون في غير تعالٍ الحكايات الساذجة مثل “الدجاجة الصغيرة الحمراء” و “لي قطة صغيرة سميتها سميرة” و “طه القرشي في المستشفى”.
٢/ تطاولت الأيام حتى دخلنا الجامعة بكلية الآداب قسم الفلسفة وانسلخت من أعمارنا أربعة سنوات ونحن نجادل الكثير من الهرطقات والقليل من الأفكار التي تستحق الاحترام منذ سقراط الأول وأفلاطون وأرسطو الذي كان أقواهم حُجةً وسعةُ وموسوعية. قفزنا بعدها إلى فلاسفة العصور الوسطى وما تلاها وأشهرهم ديكار صاحب الكوجيتو وكانط صاحب العقل الخالص وهيقيل إمام الفلسفة المثالية وتلميذه الأشهر فيور باخ وماركس الذي انقلب بالديالكتيك واستبعد الغيبيات وشطب الدين من تاريخ البشرية وألغى كل المحركات للفعل الإنساني إلا بميكانيزمات الاقتصاد التي تولد بتفاعلاتها الأفكار العليا من حاكمية وأخلاق ومُثل وهو المنهج الذي حكم عدة مليارات من البشر عبر هذه الحتميات غير المفحوصة واغتالت الملايين خلال تجربة بيريا وتروتسكي ولينين واستالين والعديد من الطغاة من أهل الظاهر والباطن وفرضت الفلسفة الأمريكية المعاصرة راياتها نظرياً وتطبيقياً تحت مسمى الذرائعية والبراغماتية التي تقوم على ساقي العلمانية والحرية المفتوحة في السياسة والاقتصاد والأخلاق وتقوم على شعار بسيط وواضح وهو أن الفكرة الصحيحة هي التي تجلب المنفعة ولا شئ غير ذلك. وأشهر فلاسفتها تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس وجون ديوي وهذه هي الفلسفة التي تقوم عليها ركائز المجتمعات الأوروبية الحديثة والولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ذبحوا الفكر الكنسي على أعتاب الممارسة المادية ونسبية الأخلاق والمُثُل.
٣/ وقد نالت مِنّا الفلسفة الإسلامية ذات الرهق والبحث المضني عن الحقيقة، فقد تقاذفنا تلاميذ أرسطو، إبن رشد والفارابي والكِندي وإبن سينا الذين اقترفوا من فلسفته ما بين النسبي والوسيط والمطلق ولم نخرج بعد كل هذه الرحلة القلقة من التجريب الفلسفي والفكري إلا بالروائع الفكرية للإمام الغزالي في أسفاره الباهرة “إحياء علوم الدين” و”تهافت الفلاسفة” و”فضائح الباطنية” وأخريات لا تحصى ولا تعد وفي مقدمتها كتابه الجامع المانع “المنقذ من الضلال” وقد وجدت منه نسخة مترجمة إلى اللاتينية في مكتبة ديكارت بعد رحيله، وكذلك وجد ذات الكتاب في أوراق الفيلسوف اليهودي المتمرد أسبينوزا.
٤/ وأذكر بأننا كنا مجموعة من الأصدقاء من عبيد الفلسفة – وبعد أن أنهينا السنة الخامسة في تمهيد الماجستير وقضينا امتحاناته الوعرة – جلسنا في حفل شاي للوداع في بيت أحد الأصدقاء وقد تفرقت بنا السبل بعدها وكانت الجملة الوحيدة المفيدة التي اتفقنا عليها لو أننا استقبلنا من أمرنا ما أستدبرنا لتركنا عناء الفلسفة ودراستها وعناءها القلق المضني واتجهنا إلى حفظ القرآن الكريم رواية وتجويداً وتفسيراً وبركة لوجدنا في هذا الكتاب العظيم المقدس الذي ما فرط الله تعالى فيه من شئ من أمور الدين والدنيا لكفانا بشموله بالإجابة على كل الأسئلة الصعبة والتساؤلات الجريئة والشك الخفي المفضي إلى الإيمان، وها نحن نفعل بعد فوات الأوان وقد إنقضى عمر النبوة وتوالت الأيام والليالي سِراعاً فهل يا ترى ندرك بعض ما تمنينا أم بُعدت الشُقة واستحال المنى؟.