رحم الله شيخ يس فقد كان أمة .. الترابي شيخكم براكم … نحن أخونا في الله

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

رحم الله شيخ يس فقد كان أمة

الترابي شيخكم براكم … نحن أخونا في الله

كان السودان ما بعد إنتفاضة أبريل 85 وسقوط نظام مايو يعج بالأحداث والقضايا والنجوم والأحزاب وخرج الآلاف من الساسة وسماسرة السياسة كأنما بُعثوا من الأجداث وكانت صحيفة ألوان يومها طفلة شقية، وكنا مجموعة من الشباب الصحفيين ندعي أننا نواة الدنيا والقادرون وحدنا علي تركيب الحياة القادمة.
كنا نكتب في السياسة والثقافة والإجتماع والرياضة، وننظم الشعر ونكتب القصة ونحاور الأفكار ولا نبالي .. وفي إحدى المنتديات التي كنا نحضرها ونحررها تحت صفحة (من مقاعد المتفرجين) قابلنا السياسي الإسلامي المثير للجدل الذي إبتدأ حياته الفكرية ماركسياً مشاغباً الراحل يس عمر الإمام، فاقترحنا عليه حواراً قريبا من السياسة وبعيداً عنها يبحر في العام والخاص فاقترح علينا أن نزوره في منزله ونتحاور على وجبة غداء. وفعلا وصلنا في الموعد تماماً واستعداداً للوجبة الدسمة المتخيلة. تأبت المجموعة فول الصباح الشهير، وما إن جلسنا حتى صاح أبو الشهيد بصوت داوي عرف به الرجل، يا مصعب قول لي أمك تجهز الغداء. وبدأنا الحوار مباشرة، وللرجل ذاكرة حديدية وطريقة حكي ممتعة، خاصة أنه كان شاهدآ في كل ما يقول.
وعندما وصل الحوار إلى قضية معهد المعلمين العالي والتي تطاول فيها أحد الشيوعيين على بيت رسول الله في ندوة الدكتورة سعاد الفاتح عام 65 وكانت سبباً في حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، وكان يس أحد فرسان ورموز الحدث فقد فأجاته بسؤال قارص: ألا تظن يا أستاذ يس بأن حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه هو خروج على المنظومة القيمية للحريات والديمقراطية وإحتمال الآخر والاصطبار على اللعبة؟. وليتني لم أسأل ولم أستجوب، فقد هاج الرجل وماج وتحول إلى عاصفة من الغضب والهتاف حتى لملمنا أطرافنا وجحظت أعيننا خوفاً من القادم وقال منفجراً: أنا أقول ليكم: شتم المصطفى صلى الله عليه وسلم تقولوا لي الديمقراطية، الديمقراطية والليبرالية والحريات تحت نعلي المعصوم، والله العظيم دكتورة سعاد أرجل منكم كلكم يابتوع الديمقراطية التي ذبحت بها أمريكا وروسيا المسلمين من الوريد إلى الوريد، ونهبت أموالهم وأقامت على حكمهم المستبدين والطغاة دون أن ترفع عليهم أي كرت أحمر يعيدهم إلى إرادة الشعوب. أطلعوا من بيتي يا صعاليك مافي غداء ومافي حوار، أمشوا فتشوا على الديمقراطيين يغدوكم ويحاوروكم. لقد ظننا أن غضبة الرجل عاصفة وقتية ستهدأ بعد حين، ولكننا فوجئنا بأنه يفتح باب الشارع ماداً يده اليمنى مؤذناً بإنفضاض المجلس العاصف. وعلى طريق السودانيين في الجمل الصوتية (تاح) قفل الباب.
وجدنا أنفسنا في قلب الشارع جياع وعطشى ومطرودين وخالين الوفاض من أي حوار، نحلم بتاكسي عابر يقلنا إلى الخرطوم من الثورة الحارة الرابعة في رحلة خيبة الوجبة والحوار.
قال لي أحد الزملاء من الصحفيين وأحسب أنه عادل الباز غاضباً: (يا حسين ياخي أنعل أبو الديمقراطية، واليوم الجابها فقد صنعت بنا اليوم ما صنعته بالسودان، كثير من الكلام وقليل من الطعام).
الغريبة أننا قابلناه بعد فترة في منتدى أخر، فتلقانا هاشاً باشاً كأن شيئاً لم يكن. رحم الله الشيخ يس عمر الإمام المثال الأوفى للمسلم السوداني. فقد كان الرجل أمة وأنا جد حزين أنني لم أتتلمذ على يديه بما فيه الكفاية.
والحديث عن أبو الشهيد ذو شجون ولتكن هذه الحكاية مدخلآ للكتابة عن هؤلاء الأتقياء الأنقياء الأخفياء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس.
وبيت القصيد في سيرة الرجل أنني لاحظت أنه ودكتورة سعاد الفاتح عندما يتحدثون عن شيخ حسن الترابي يقولونها بلا ألقاب (حسن حاف)، فكنت أستوقفهم بمزاح وطرفة قائلاً: يا شيخ يس ويا دكتورة سعاد بالله قولوا (شيخ حسن). فيردون علي كأنما اتفقوا على الإجابة (شيخكم براكم … أما نحن أخونا في الله).