إسحق أحمد فضل الله يكتب: ضد النسيان

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

ضد النسيان

الحيوان وحده هو الذي لا يفكر في ما حدث أمس… وما يحدث غدًا
الحيوان الأبكم الذي يمشي على أربع
والحيوان الفصيح الذي يمشي على قدمين…
وشاعر مصري نأخذ حديثه عن “الحِلّة” ونتصرف فيه، قال:
دا بيصلي على الهادي
ودا بيضحك لجيرانه ويصبّح
ودول شلة شباب… كورة
ودا ماشي ويغني تقول بيشخر
ودي فاتحة شبابيكها… وبتبخّر
ودا مارق… ودا بيخش
ودي بتكنس… ودي بترش
ودي بتنفض وتروّق
وقدّام البيوت أطفال
وأيديهم مليانة تراب
ودا بيجيب طوب عشان يترص
ودا بيدي لصاحبه مقص
ودا يعيّط
تلاقي أمه طالعة تصارخ:
“إلهي تنقطع إيد اللي زق الواد!”
ودا بفنيلة واقف يبص
تشوف جسمه… تحس إنه سجارة وانطفت في النص
تسرسع واحدة في أوضة كأنها خِن
وتطلع واحدة تترقص كأنها جِن
تقول: “يا أختي… يا ريت يا أختي تلمي الدور وتتلمّي”
ودم فاير
ودي بتفضح
ودي تعاير
وجارتها بنص لسان: “يا نمّامة”
ترد جارتها: “يا قمّامة!”
ودا مسكوه مع فلانة
وفين؟ يا فين؟
ودي زبطوها… وشتايم
ودا مشلوم
ويخرجوا بالغضب والشوم
ضرب نازل… ضرب طالع
ودا سكران يسبّ الدنيا والشافع
ودي بتحدف طبيخ من فوق
ودا مشقوق
ودا حطوا راسه في التراب… بيسف
ودا اتلوّث… ودا بيتف
وفي “حِلّة كذا” التي جرت فيها المذبحة…
و”حِلّة كذا” التي لم تجد جثثها من يدفنها…
وحِلّة… وحِلّة…
المشهد كان هو المشهد أعلاه… في الأزقة
دون أن يخطر لأحد أن الأولاد، والكورة، والنسوان، والشجار، والسكران، والمغني…
كلهم سوف يُقتلون في الطريق هذا ذاته…
فقد كانت مائة عربة من الجنجويد تتجه في الساعة ذاتها إليهم…
وفي حلة “زرقة”، و”مفتاح”، و”سوق النجرة”
وأسواق ودروب وبيوت ومساجد
ألف حلة ومئة مدينة
كان الضجيج، والفوران، والضحك، والموت، والكذب
موج يضج… حتى منتصف أبريل قبل عامين
دون أن يخطر لأحد أن ما يحدث خلف سور الحوش مباشرة هو…
هو أن خطة إبادة الناس والسودان — التي وُضعت منذ سنوات — قد وصلت الآن إلى مرحلة التنفيذ
وأن الرشاشات بأيدي كلاب الأرض قد وصلت إلى السور.

(2)

ولسنوات، كان ما يتسلل هو:
• دكاكين الأحياء في كل قرية ومدينة… يحتلها ناس من جهة واحدة معيّنة
• منابر المساجد
• طلاب في كل جهة يمكن الدخول إليها
• الخلاوى
• ثم موجة من شراء البيوت
• ثم شراء الأسواق
• ثم شراء المزارع
• ثم… ثم…
وكل من يشتري — وبأسعار أضعاف أضعاف سعرها — هو جهة واحدة معلومة
كانت هذه هي مرحلة نزع الجذور
ونُزعت… دون أن ينتبه أحد
ثم الاتجاه — في الخطة التي وُضعت منذ سنوات — إلى تهجير الناس
ثم… كنس بالرشاشات لفرض هذا التهجير
الكنس الذي جعل تسعة أعشار قرى ومدن السودان نازحين
يبحثون عن خيام ممزقة
وفي الخطة: تهجير كل السودانيين إلى أطراف الأرض
ويُترك السودان لكلاب أفريقيا المرتزقة
يبقون في الشتات… دون حتى المفاتيح
ثم الشعر… والبكاء
ثم نسيان السودان
ثم… ثم…
كل هذا يجري ولا أحد يشعر بشيء
وما يحدث ما بين قحت وحتى المذابح
هو انتقال من مرحلة لأخرى…
وهذه… مقدمة الحديث عما جرى في العشرين سنة الأخيرة
سنوات التنفيذ — تنفيذ، لا وضع — الخطة
ونحن غافلون.