منير شريف يكتب: سورتان بدأتا بالويل… فكيف بمن جمع جرمهما؟

ما لم تقله النشرات

سورتان بدأتا بالويل… فكيف بمن جمع جرمهما؟
في كتاب الله الكريم، نقرأ افتتاح سورتين بصيغة مزلزلة:
“ويلٌ للمطففين” و “ويلٌ لكل همزة لمزة”.
الأولى: تهديد لمن يطفف الميزان في المعاملات، فينقص القسطاس ويأخذ مالاً ليس له،
والثانية: وعيدٌ لمن استرخص أعراض الناس، يغتاب ويهمز ويلمز، فيشعل نار الفتنة من طرف لسانه.
تأمل جيداً: المطفف نال “الويل” فقط لأنه نقص من حق غيره شيئاً يسيراً…
فكيف بمن يسرق، وينهب، وينتهب مقدرات شعب بأكمله؟
كيف بمن اقتحم البيوت، وكسر الخزائن، وجعل قوت اليتيم غنيمة حرب؟
ألا فليعلم أن الويل له مضاعفاً، لأن خطيئته ليست تطفيفاً بل طغيانٌ وتجبر.
وتأمل السورة الثانية…
“ويلٌ لكل همزة لمزة”، هي فيمن اغتاب ولمز وسبّ الناس خفية وعلناً…
فما بالك بمن نكّل واغتصب وانتهك الأعراض جهاراً في وضح النهار؟
ما بالك بمن جعل من العرض سلعة في ساحة الحرب؟
أي ويل يكفيه وقد نال من أشرف ما حرّمه الله على البشر؟
ما فعلته الميليشيا المتمردة ليس ظلماً فقط، بل تعدٍ على حدود الله.
فهي جمعت بين الويلين:
ويل السرقة ونهب المال، وويل القذف وانتهاك الحرمات.
فهل بقي لها من مفرّ من قضاء الله؟
وما نقوله هنا ليس حشواً عاطفياً، بل قاعدة ربانية:
“ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون”
فكل من أعانهم أو برر لهم أو صمت عنهم، دخل في شرك الجريمة،
وناله من الويل نصيبٌ يليق بجبنه أو تواطئه.
و من ناصر من انتهك العرض وسرق المال،
فليعلم أنه على موعد مع الحساب، لا ينفع فيه سلاح ولا تبرير.
فما بين من طَفَّف في ميزان الأموال، ومن تجرّأ على الأعراض بالكلمة أو الفعل، يتجلّى الوعيد الرباني في صيغته الأقسى: “ويلٌ…”
وكأنما نزلت هاتان السورتان لتشهدا على عصرٍ تنكّر فيه بعض الناس لدينهم، فأكلوا الأموال بالباطل، واستحلّوا الحُرمات بلا وازع من ضمير.
وما فعله المتمردون ومن عاونهم، ليس تطفيفًا ولا لمزًا فحسب، بل إجرامًا مركّبًا نالوا به “ويلين” في آنٍ واحد:
ويل من السماء على من سرق القوت، وويل آخر على من لوّث العرض.
وهنا تشرق حكمة :
“من خان في أموال الناس ذَلّ،
ومن تجرّأ على أعراضهم سقط.”
فأين المفرّ من عدالة الأرض؟ وأين المهرب من قضاء السماء؟
إنه “ما لم تقله النشرات”… لكنه ما لن يسكت عنه التاريخ