على طريقة أيام الله السبعة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

على طريقة أيام الله السبعة

(الثلاثاء)
الأخ الرئيس ووزير الثقافة والإعلام القادم، سلام وسلامات وتحايا ودبايوا… من بين الملفات المثقلات بالمثقلات والوجع الشخصي والعام، نهديكم هذه الاستراحة… وقديمًا بشرنا الأثر الشريف بأن الدنيا (ساعة فساعة).
فقد دخل عكير الدامر يومًا على الحاج محمد ود البيه ناظر الجعليين، وعكير كما تعلمون شهير بموالاته للأنصار، وكان (ود البيه) يستقبله بكرمه وبشاشته المعهودة، فقد كان في الرجل سعة وديمقراطية عباسية مركوزة. قال عكير:
أنحنا أسود غِيب كضِب البداني وكرنا
وما بكتر سرورو الليهو نحن فكرنا
شوفتنا السلاح تبينا جانا سكرنا
ونحن إن هجنا سبحان من يصفي عكرنا
فنادَى الناظر على شاعره حمدان (يُلغِطي) إطلالة عكير، فقال (قطع أخدر) بعد أن سمع (طلقات) عكير المتوالية:
نحن إن هجنا تتضلل ليوث الكرنه
جايعات السباع تسأل وتتذكرنا
نحن الفوق كراسي المملكة اتحكرنا
نحن أعدانا تثبت فضلنا وتشكرنا
وكما هو معلوم فإن الناظر هو خال الشاعر الطيب ود حاج عبد القادر، فأدلى بدلوه الحصيف في معركة الدوبيت:
أحمر لونو من دم الرجال دُكّرنا
تبرانا الصقور في رواحنا وإن بكّرنا
وين أجد المجال عازلنا إن أنكرنا
في الصحف الدهول أثبت نبانا ذكرنا
أخي الوزير… الرجاء تشكيل لجنة قومية لتوثيق أدبنا الشعبي، ما بقي في الصدور وما دُفن في القبور، فإن أمة تموت فيها مثل هذه الروائع وهذه القصائد الخالدات والمواقف، أمة ليست جديرة بالحضور والتوثيق.

(الأربعاء)

الأخوة في دارفور:
كلما جاء اسم (الليل) و(الغروب وسحّار المنظمات وهمباتة المسلحين وحاملي الأهوال وقاطعي الطريق.. والظالمين والمظلومين والظلاميين)، تذكرت نشيد صحراء (المهاجرية)… تذكرت دارفور الجريحة وتذكرت بواعث الخلاف والفتنة والقطع من خلاف، فأطل مطلع النشيد:
الليل برد والنعسان جرايدو بدحّن
وكبس الهم على السلط قلوبهم وحّن
كضم الجرّة سحّار الغروب اتمحن
نعود سلمانة يا طه الظنون إن صحّن
وهل في رأيكم تصح الظنون؟ صحيح إن بعض الظن إثم، لكن ظني ها هنا إثم حلال!!
ويا مجمع أهل دارفور العامرة بالحكماء بعيدًا عن (الحكمات)، وما دامت قد انفتحت سيرة أشعار دار صباح، فيجب أن تقرأوا من جديد قراءة (الحواكير) قراءة استراتيجية مبصرة وعاقلة.
فهي ليست أزمة مهن ما بين الرعاة والمزارعين، والعرب والزرقة… هي أعمق من ذلك بكثير، هي في جوهرها أزمة دعوة و(ثقافة).
فأهل الرعي أبدًا لا يرضون ولا يرتضون بالزراعة… وأهل الزراعة أبدًا لا يرضون ولا يرتضون بالأبالة والبقارة.
وحتى يأتي زمان التكامل والتداخل والواقعية والتواضع واحترام الآخر، فاجعلوا المسارات في مكان والزراعة في مكان، وإن استطعتم أن تحالفوا ما بين الزمان والمكان فافعلوا.
ألم تسمعوا بالراعي وهو يمد سفره الطويل بالنم والأغنيات الهواتف؟
كم عتمرتن فوق قجة العبادي
وكم غوصلتلن من الدنادر وغادي
كان ما قسمة يا الديفة أم قرينًا نادي
ما خسانا في زرع الفشق والوادي

(الخميس)

تلفتت الأحرف فتلفت القلب
ما تفتكر إنو السحاب بنسى البيادر
حتى لو كل البيادر نست السحاب
وما تفتكر إنو الصحاب بنسوا الوفا
حتى لو كل الوفا جافى الصحاب
بس المهم تصبح مداوم للأحبة
وتعطر الشوق بالخضاب
أحد الأصدقاء القدامى فاجأنا وأسعدنا بشعر الصبا الذي نسيناه وأضعناه لنقوم بإحيائه وسقيه بالمشاعر والوداد في أيام الجفاف واللا ضفاف والهجرة القسرية ومفارقة السودان الحبيب، لتصبح أغنيات.
عزيزي (سين)، حتى لو ارتضينا بالذكريات السياط، فأين هي الأصوات؟ ورغم هذا سأحاول إكمال النص، لأن رد (اللبن والبياض) من بواعث انقطاع العشم… والشعر بعض العشم الذي يجب ألا ينقطع.

(الجمعة)

 

وبمناسبة الشعر الشعبي، الأغنيات والدوبيت، أتساءل دائمًا: لماذا ترف في خاطري وتلح أبيات الشاعر المهاجري العاشق والمسافر أبدًا صوب المجاهيل والمخاطر؟
الليلة الجمل خت السفر في نيته
وهدفتلو أم نقينق وطيرت جنيته
البهم البتيتب بي فريق مكنيته
هو بعمل غلط وأنا مستعد لي جنيته

(السبت)

وكلما تذكرت كردفان، شمخت في خاطري مدينة الأبيض الباسخة الصابرة الجسورة، وإن كانت هنالك مدينة تصلح لعبارة المعنى والجسارة والحياة بعد الفاشر، فهي الأبيض فقط لا غير، ودائمًا ما تحلو فيها الأبيات الشهيرة:
قول للأبيض حاجة ما تخشاها
وحملتك أمانتن في الضمير منشأها
وقت السنة وقعت وأنكوت في حشاها
منو الغير شبابك درجا ومشاها

(الأحد)

وحين كان الوطن يتقدم على الذات والأحبة، كتبنا ونحن في الثانويات مطولة في حق البلد، لم يبق في الذاكرة منها إلا المدخل:
أنا يا بلد وكتين يفتشوا لي مقامك
كت بشوف ليك المقامات البعيدة
والنجيمات البتلمع تبقى فوقا وتبقى سيدا
كت يا بلد والناس تزازي عشان رضاها وفي جديدا
مشتول على الخاطر موسد بالدمعات والقصيدة
ما هان علي ومساك محلف بالمزازيك الحزينة
لا إنت قادر تشتهيها ولا نحن قادرين نبكي
فيها ولا هي قادرة تكون مراثي
القصة يا سيد الحكاية مين يفرز ومن يقول الوجعة فينا
والبقية تأتي، وإن وجد أحد الأحبة النص القديم فأن المعنى والعنوان واضح.

(الاثنين)

من الأشياء التي تؤرق خاطري لمجموعة شعراء الشعب، هذا التساؤل الذي لا أجد له إجابة: من أين يجد هؤلاء هذه الثقافة المعبرة والمفردات الموحية والإحساس العميق بالناس والأرض والمناخ والطبيعة؟ خاصة وأنهم، وإن درسوا، لا يجدون إلا بعض أشهر بالخلوة أو حزمة من الأيام النواضر في الاستماع لأهل الحكمة والحكايات والإبداع.
وتظل الثقافة عندهم مخزونًا من القيم الواقعية التي تلامس الخيال حينًا وتلامس الحقيقة أحيانًا أخرى.
الرجاء الانتباه لكلمات من شاكلة: الإخلاص، والعصمة، والجسارة، والمؤازرة، ورمزية (طائر السقد) والتخاطر، هذا الطائر الرمادي، صديق الضفاف وصديق السهاد، الذي يمد لسانه للهجوع والليالي ولا ينام، ويلح ساخرًا من أهل اليقظة بصوته الطليق ما بين العذوبة والإزعاج، مساندًا لأهل الوجع والسفر والسهر.
فقد قال صاحب الاستشهاد في هذا المعنى:
البارح طوير (السقدة) ما وازرني
قلبي (مسدي) ظنيتو البريدو ذكري
مافيش مانع إن دار دمي وإن أفقرني
مع إخلاصو معصوم ما جسر ناقرني
وكانت الحبوبات السودانيات حين يفضن بالنصيحة على العروسات الجدد، بتشكيلة رائعة من الحكم والوصايا، أوسطها وأشهرها: الامتناع عن المشاكسة المفرطة وكثرة التلاوم والعتاب المر الذي يذهب بصفاء الزوج والأليف، والعبارة متداولة وسط النساء: الرجال (يا بتي المناقرة بتكسر الحجر)