إعادة ربيعة لمنصة التتويج

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

إعادة ربيعة لمنصة التتويج

من العادات الحميدة التي أبقتها لنا مهنة الصحافة والإعلام ببعدها المقروء والمسموع والمشاهد أني حرصت أن أقرأ مرة كل عام السيرة النبوية الطاهرة لما فيها من دروس توحيدية وإيمانية وما فيها من عبر وإبتلاءات ورقائق تجلي النفس في هذا الزمان البائس الحزين، وكل ما قرأت السيرة بكمالها وتمامها أو (بالقطاعي) ينتابني إحساس عميق بأنها لم تكتب بعد ولم يجلي الأقدمون والمعاصرون مافيها من قيمة ونفائس مع إحترام بالغ وعميم لشيخنا أبن هشام وشيخه أبن إسحق والطبري وبن كثير أئمة البدايات الموسومة بالإيمان والتجويد.
ومن الحكايات التي كنت أهتم بها وقد وثقت بعضها في بعض الكتابات الصحفية وبعض اللقاءات والندوات ما أسميته (بالخير الأنيق) والمواقف المدهشة تلك المواقف التي يتسيدها مجموعة من صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم القادرين على التميز وكسر رتابة الحياة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومن القصص النبوي التي تلتمع في خاطري مع أخريات مع مر الأيام والليالي وقلق النكبات، أن الصحابي الجليل ربيعة بن كعب الأَسْلميُّ والذي عهد إليه برفقة رسول الله وخدمته، وقد قال الشاهد إن هذا الصحابي الجليل والفتي الموثوق به لخدمة نبي الرحمة والإنسانية نهض يوماً في ليلة شاتية شديدة البرد والزمهرير المحيط حتي لا يكاد أن يتحرك في المدنية في لياليها حي من أنس أو دواب وأزعم حتي من جن، نهض ربيعة وأحضر كومة من الحطب وأوقدها ووضع عليها قدراً من الماء حتي حميت وصارت دافئة وحين جاء ميقات الفجر وضعها أمام رسول الله صل الله عليه وسلم ليتوضأ فوجدها رسول الله دافئة فسأله صل الله عليه وسلم فاخبره بما فعل فقال له الرسول صل الله عليه وسلم متبسماً سَلْ حاجتك، فرد الصحابي الذكي الفطن وقد إقتنم الفرصة فقال في نفسة إن الدنيا زائله بما فيها فلن أطلب من رسول الله صل الله عليه وسلم منها شئياً بل أطلب الأبقي في يوم الحساب ويوم يقوم الناس لرب العالمين فقلتُ: “أسأَلُك مرافقتَك في الجنَّةِ، فقال لي: “أوَ غيرَ ذلك؟!”، وقد عني المصطفى بهذا السؤال ان هذا المقام مقام أنبياء ورسل من أولى العزم ولكن ربيعة أصر عليها قائلا: هذه يا رسول الله لا غيرها، فصمت المصطفى صل الله عليه وسلم وأستمسك بأدبه الجم ورحمته ورقته وأجاب “فأَعِنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السُّجودِ”.
وقد ذكر الصحابة رضوان الله عليهم في مشاهداتهم اليومية (ومنذ ذلك اليوم لم نرى ربيعة الأسلمي إلا ساجداً) .. ولانني معجب بأدب النهايات والبدايات في تاريخ الدول والشخصيات ذات الأثر فقد بحثت في سيرة ربيعة فقالوا أنه كان يطيل السجود فرضاً ونفلاً وقد مات عليه الرضوان ساجداً.
وقيل أنه موهبة الدفء هذه قد صارت عادة لدي ربيعة وفي إحدي الليالي الشاتية قام بجمع الحطب لتدفئة المسجد النبوي. وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ووجد صحن المسجد دافئاً وأخبره أنها من صنيع ربيعة، بكى المصطفى تأثراً، ثم قال للصحابة الشهود: “من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا” وأشار إلى ربيعة.
مضى ذلك الزمان الرحيب الطيب المبارك إلى يومنا هذا يمنح الإنسانية الإشراق والمحبة والتوحيد والرضا لكن وللأسف الكبير فان القافلة الغافلة سدرت في غيها وضربت في متاهات الضلالة والجهالة والغيبة، ولكن بمثل هذه الحكايات الصغيرة الأنيقة والمدهشة ربما منحنا شبابنا القادمة فرصة للفرح النبيل والحزن المشرق والتدبر والإحاطة والإقتداء.
وعلى ذات السبيل أرجو أن تلتقطوا من هذه السيرة المحيط بعض هذه الإشراقات المدهشات فأن في تسويقها نعمة وبركة وغسل للأنفس من وعثاء المسير ولابد من أحمد شرفي والبكري وحمد النيل وإن طال السفر.