
أنشودة المطر
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أنشودة المطر
(1)
قال لي أحد الأحباء وهو من القارئين والجامعين للتراث ونوادر الأمم وأخبارها، هل ترى أن صلابة إيران وتحديها للصلف الغربي في سبيل حقها المشروع من العلم النووي، عائد لدينها وتراثها وبرنامجها وقيادتها..قلت له: كل ذلك بجانب مجدها الفارسي ودينها العربي أو قل الأممي وأطل مهيار:
سرها ما علمت من خبري
فأرادت أن تسأل مانسبي
لا تخالي نسباً يخفضني
أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولوا على الدهر فتى
ومشوا فوق رحاب الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم
و بنوا أبياتهم بالشهب
وأبي كسرى على إيوانه
أين في الناس أب مثل أبي
قد لممت المجد من خير أب
وورثت الدين من خير نبي
فجمعت المجد من أطرافه
سؤدد الفرس ودين العرب
(2)
القلق الذي يعيشه هذا الوزير والمساعد الذي تعود المناصب في كل الحقب فهو من جماعة كل حكومة، يذكرني القيم التي يجب أن تتوافر لأصحاب المناصب، حتى إذا فارقوها لا يفارقهم عقلهم ولا قلبهم ولا تحتار أسرهم وقبائلهم في تدبير مستقبلهم. وهي نصيحة يجب أن تدخر لأي تعديل وزاري قادم، فقد امتحن ملك أحد المرشحين للوزارة في بلاطه:
ما خير ما يرزقه العبد؟
قال الوزير: عقل يعيش به.
فقال الملك: فإن عدمه؟
قال الوزير: فأدب يتحلى به.
وقال الملك: فإن عدمه؟
قال الوزير: جمال يستره
فقال الملك: فإن عدمه؟
قال الوزير وقد ظهر عليه الضجر: فصاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد.
اللهم أمين..
(3)
بعد تخرجنا في الجامعة افتقدنا صديقنا الظريف.. فقد كان يصر على زيارة خطيبته مرتين في اليوم، ولأنه كان يحب الشعر فقد قررنا مداواته بظرف الحريري القائل: لا تزرْ من تحب في كل شهرغير يوم ولا تزد عليه (واجتلاء) الهلال في الشهر يومٌ ثم لا تنظر العيون إليه. قابلته قبل فترة في منتدى مسائي فذكّرته بالبيت وقد تكاثرت عليه الهموم والعيال والمطالب.. فقال لي ضاحكاً: (إننا في بيت واحد ورغم هذا فإننا لانلتقي ولا مرة واحدة في الشهر كما أوصى الحريري). فضحكنا حتى ألهينا المنصة عن (هبابها) وحديثها المكرور. وقد أوصيته بفن المؤازرة ووصيتها بعدم المناقرة مستدلا بأبيات الرائع الشعبي:
البارح طوير السُقدة ما وازرني
قلبي مسدِي ظنيتو البريدو ذكرني
مافيش مانع إن دار دمي وإن أفقرني
مع إخلاصو معصوم ما جسر ناقرني !
ترى من في الشعراء المحدثين يعرف السقدة والمؤازرة والتخاطر واحتمال التضحية بالدم والمال وإيراد مفردات في قامة الإخلاص والعصمة والجسارة والامتناع عن المناقرة.. من ياترى يستطيع من المحدثين ذلك؟!
(4)
الأيام عند العرب أربعة: يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب ويوم الشمس للحوائج، وهي أيضاً عند السوداني أربعة: يوم الريح للكتاحة والمناحة ويوم الغيم لتذكّر الظلم والضيم ويوم المطر للفول والوتر ويوم الشمس للتراخي والقيلولة المفتوحة والشكوى من المدينة، ولكننا ندعو المبدأيين وقادة التغيير والثورة الثقافية أن يبدلوا هذه الأربعة إلى قرآن وتنمية وسنة عملية، وتحديق صوب المعالي والنجيمات البعيدة.
(5)
عقب هزيمة المهدية وسقوط دولة الشريعة على يد كتشنر باشا.. صدرت فتوى غير مكتوبة تبلغها كل الصادقين من الذين بقوا على قيد الحياة من جيش الدولة الإسلامية، كانت الفتوى تقول: «من استطاع منكم ألا ينظر إلى وجه إنجليزي كافر فليفعل.. فإن النظر الى وجوههم لا ينبغى إلا في مواجهتهم في الصف الاول من ميادين القتال». وشيئاً من ذلك هو الذي حفظ لهذه الأمة هذه الروح المتقدة الوثابة وجعلها تنشد بعد عقود طويلات: مابخاف الموت المكشر.. وما بخش مدرسة المبشر.. وعندي معهد وطني العزيز!
(6)
وقيل إن زوجة الحاكم العام للسودان طلبت رؤية القائد عثمان دقنة وهو يومئذٍ سجين أسير وشيخ كبير.. واستجيب لطلب المدام التي لا يرد لها طلب.. وتم فتح الزنزانة وجمت السيدة السكسونية ملياً أمام رجل بلحية كبيرة بيضاء وقد أضناه تقدم العمر وطول الصيام وركوب الخيل بدون سروج.. وكان مطرقاً إلى الأرض مشغولاً بالذكر لا يجد في هذا السجن الموحش المظلم عذاباً ولا وحشة.. لأنه في متعة من الذكر والعبادة لو علمها الملوك لقاتلوه عليها.. وفجأة إنتبه الشيخ المهيب وأسفر عن وجه وضاء فيه مهابة الليث ووقار التقى وضوء القمر.. ولم تتمالك المرأة نفسها فترنحت وخارت قواها وبردت رجلاها فسقطت.. وصرخت.. وأغمى عليها.
صورة مهداة لكل مدافع عن عرض أو أرض أو حق سليب.. في أي زمان ومكان: قد يهون العمر إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعــاً. وأخيرا هل ادركتم لماذا يظل الشرق الكبير بثغره وكسلا والقضارف صامدا صابرا في وجه العملاء متحديا القفر والفقر وشح المفردات في سبيل راية التوحيد وعلم الوحدة. هل أدركت يا والي الشرق الإسفيري في حكومة الخائن حميدتي لماذا أنت طريد وبعيد وعلى شفا حفرة من مزبلة التاريخ؟.