أرنوب بين مكر الثعلب وغفلة جامعة الدول العربية

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أرنوب بين مكر الثعلب وغفلة جامعة الدول العربية

هنالك الكثير من الكتب والأسفار والقصص والروايات التي كُتبت على ألسنة الحيوانات، بعضها عائد لفن الترميز في الكتابة، وبعضها عائد للهروب من الاستبداد وعصر الطواغيت، وبعضها عائد إلى فلسفة الابتعاد عن الشخوص حتى لا يكون الارتباط بهم تضييقًا لانسياب الكتابة والقصة أو الرواية، وبعضها عائد إلى الأسباب الثلاثة معًا.
ومن أشهر الكتب في هذا الأدب (الكتاب العمدة) كليلة ودمنة، الذي ترجمه الأديب العربي العباسي عبد الله بن المقفع، وهو خليط من الثقافة الهندية والفارسية، والكثير من النقاد يؤكدون أن ترجمة ابن المقفع كانت أوفى وأصدق من الأصل الهندي الفارسي. وهنالك ديوان للشاعر الموسوعي وأمير الشعراء أحمد شوقي، الذي كتب ديوانًا كاملًا في أدب الأطفال بلغة الحيوان. ومن عبقرية شوقي أن الكتاب يصلح للأطفال والكبار، بل يصلح للعامة والخاصة وحتى أهل الصفوة من المثقفين لما فيه من الحكمة والدلالات.
ومن الكتب التي شاعت في الأربعينات رواية الكاتب والقاص البريطاني جورج أورويل (مزرعة الحيوان). وأورويل يُعد من الاشتراكيين الغلاة في حزب العمال، وكان له ميل مطبوع لصالح تجربة الثورة البلشفية. وقد استيقظ ضمير الرجل وهو يشاهد العسف والظلم الذي قام به وجاهر به جهاز الاستخبارات السوفيتي في الحرب الإسبانية. وقد صدمته التجربة الستالينية اللعينة، تلك الحقبة التي شهدت ملايين الضحايا الأبرياء بحجة تصفية أعداء الثورة، خاصة المسلمين في جمهوريات آسيا الوسطى. وكان الكتاب برمزيته نقدًا لاذعًا للتجربة الشيوعية، وتُعد (مزرعة الحيوان) من أكثر الوثائق الإبداعية نقدًا للمشروع البلشفي الاستبدادي، بل إنها ظلت علامة فارقة وهادفة للنقد الذاتي والمحاربة بالوعي ضد المشروع الطبقي المستبد، حتى سقط غير مأسوف عليه في بداية التسعينات إلى غير رجعة. وبسقوط الاتحاد السوفيتي انطوت صفحة مظلمة من صفحات البشرية المعاصرة.
وقد شاعت حتى في الأدبيات الشعبية وسط الشعوب الكثير من الحكايات المرتبطة بالحيوان المتمثلة به وفيه، وأهل السودان في الإحاجي يستخدمون هذا الفن بالكثير من المهارة والتشويق. ومن إحدى هذه الحكايات الشعبية السودانية اخترت هذه القصة الموحية: “ضربت الغابة موجة من الصقيع والعواصف الهوج حتى ضاقت مسالكها على الحيوانات البريئة والمهيضة الجناح والقليلة التدبر والحيلة، ومنها قبيلة الأرانب الضعيفة التي وقعت عليها مصيبة العاصفة والبرد وقوع الصاعقة، فلم تجد سبيلًا للوقاية والحماية بعد أن صارت سوق أشجار الغابة العارية لا تحمي حتى الصراصير والفراشات والديدان التي تجيد مهارة التخفي والالتصاق. وفي غمرة حيرة الأرنب البريء الذي أحاط بصغاره في تحنان وهو يرتعد ويرتعش من البرد القارس، أمر مضطرًا اثنين من صغاره أن يذهبا إلى جحر الثعلب المتسع والمحمي في تلة قريبة من أشجار ملتفة وحماية وافية اختارها الثعلب بذكائه المعهود.
وقف صغار الأرنب بعيدًا عن جحر الثعلب ورفعا صوتهما بطريقة مبينة وصاخبة أن أمهم ترجوه أن يسمح لهم بالمبيت في جحره حتى تنقشع العاصفة التي دمرت بيتهم الصغير في قعر شجرة السنديان العجوز. فرد الثعلب بمكره المشهود الذي لا يحتاج إلى ترتيب أو إعادة صياغة، لأن مثل هذه الحيل مركوزة في عقله المتآمر، رد عليهم بصوت فيه الكثير من المسكنة والبراءة المصنوعة: (أخبروا أمكم جارتي العزيزة بأنني أرحب بها وبصغارها داخل الجحر الدافئ المتسع ولن يتعرضوا أبدًا للافتراس).
جاء الصغار الأبرياء بالرد المعطوب، فلملمت الأرنب الأم الكسيرة الجوانح والقليلة الحيلة أشياءها بسرعة وهربت بأطفالها وهي تردد: (ترى ما هو السبب الذي دعاه للنطق بكلمة الافتراس؟). تحركت وفعلاً هربت الأرنب بعيدًا بعيدًا عن مكمن الخطر بصغارها لا تلوي على شيء، وهي تردد: (كيف أفلتت مفردة الافتراس من فم الثعلب بالرغم من كل ذكائه وحيله وخبثه ومصائبه)”.
تذكرت هذه الحكاية المطابقة لواقعنا العربي والإفريقي الراهن، وقد قالها ثعلوب المؤامرة في منتهى الوضوح:
1- إعلان حكومة الهباب في دارفور الخراب.
2- امتلاء سد النهضة دون استئذان للذين يهددهم العطش أو الغرق.
3- التهديد الأمريكي بإخلاء غزة وتهجير الضفة الغربية بإعلان دولة إسرائيل الكبرى التي ستمتد قريبًا في وحل غفلتنا من النيل إلى الفرات.
4- أما جريمة الإبادة فلن تتوقف أبدًا، بل صارت شركة غزة للخدمات الإنسانية أو بالأحرى الخدمات الشيطانية، تلك الشركة التي صُنعت خصيصًا لتوزيع فتات الخبز المغموسة في الدم.
5- وباسم الإرهاب، هذا السم الأمريكي المنبعث من الإعلام والمنظمة الدولية (هيئة الأمم ومجلس الأمن والفيتو)، ضربت المؤامرة أفغانستان وإيران، وقبلهم الصومال والسودان واليمن وسوريا ولبنان وليبيا والعراق، وكل البلدان العربية والإسلامية على الطريق، فعلتها أمريكا (الديمقراطية والجمهورية والصليبية والصهيونية) وبراءة الأطفال في عينيها.
لقد أطلق ترامب وتلميذه نتنياهو، أو بالأحرى نتنياهو وتلميذه ترامب (ثعالب العصر)، كلمة الافتراس مائة مرة وبكل اللغات وعلى كل الوسائط. ورغم ذلك ظلت العواصم العربية تقف على باب جحر الثعلب غافلة تأمل في الدخول للجحر اللعين القاتل. فهل يا ترى أصبح الأرنب البريء أكثر ذكاءً من جامعة الدول العربية؟ هل؟