
قصاصات
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
قصاصات
(1)
مع أن أمتكم أمة واحدة، إلا أن حزب الأمة هو الحزب الأكثر تعرضاً للانقسام… انقسامات محزنة حتى لم يبقَ في جسده العريق موقع إلا وفيه ضربة سيف خلاف، أو طعنة رمح شقاق.
ومادام أن النساء قد صعدن، فما رأيكم في أن يكون أول انقسام نسائي لحزب (الأمة الأممي) برئاسة (أميمة)؟
فكل اسم له من سمته معنى أو مغزى.
ولو كانت انقسامات حزب الأمة قائمة على مبدئية أو فكرة، لكان لأهل النظر في السودان رأي آخر، إلا أن كل الانقسامات منذ تاريخه الأول قائمة على الشخصنة والمصالح والإثنيات.
فهذا أقصر طريق لتطلّ العبارة الشهيرة: (حضارات سادت ثم بادت).
ولن يتوقف التاريخ عن موهبته في تجاوز الصغار، في لحظة تاريخية لا “يستحقون فيها الانتصار”.
يراودني سؤال مُلح للصديق الصادق المهدي، من باب العلم بالشَّيء لا من باب القدح ولا المدح:
ترى ما هو مصير الـ(35) كيلو ذهب التي أُلقي القبض عليها وأنت في الحدود الإثيوبية؟
هل وُزّعت على الورثة؟ أم امتلأت بها خزانة كرن؟ أم فاض بها الامتلاء الأخير لسد النهضة؟
(2)
مصالح الأراضي المتعاقبة، ووزارات البنى التحتية والشؤون الهندسية، كان المواطن يظن دائماً أن من أوجب واجباتها هي توزيع مخاطر الجفاف والتصحر على الجميع، لحماية البيئة ولحماية الرقعة الخضراء والأرض الصالحة للزراعة.
وقد خاب ظنهم حين وجدوا أن أوجب واجباتها هي توزيع الأراضي الصالحة للاستثمار، المفضي للإيجارات، سباقاً مع الكتاحة حتى لا تصل مضارب الفتحاب.
ولذلك، لقد فعلت في الجيلي، وفي أمبدة، وفي الكاملين، وفي السوكي.
فهذا زمان (السَّفّاية والكتاحة)، ليس على الأرض فقط، ولكن على الإنسان روحاً وجسداً وقلباً وعقلاً.
ويا لها من كتاحة.
(3)
المبرر الوحيد للراتب في السودان هو في شرعية الوصول لمكان العمل صباحاً، والهروب من المنزل لممارسة اللهو البريء وغير البريء، ونصب الشباك لاصطياد الحكومة والمواطن المسكين، عبر تأجيل الإجراءات، والتربح من (تكسير الدقائق)، وتوهان الشبكة، وانهيار المؤسسات والدول القطرية.
ودليلي على ذلك أننا لو جمدنا كل الخدمة العامة، فإن مستويات الأداء سوف ترتفع لقياس عالمي. (جرّبوها دام فضلكم).
(4)
البنسلين في حد ذاته شيء مفيد، والسكر في حدوده المعقولة شيء مفيد، واللبن في حد ذاته سائل مفيد جداً، والعسل في حد ذاته سائل فيه غذاء وشفاء للناس، هو باختصار مفيد جداً جداً جداً.
ولكن أصحاب الألاعيب أضافوا البنسلين للبن فأفسدوهما، وأضافوا السكر للعسل فأفسدوهما…
ومن يومها توقف العريس عن (رش) اللبن غير المعقم على وجوه المعازيم خوف الوباء، وتوقفت مفردة (عسل) عن كراسة الشعر السوداني، والنداء بها للجميلات.
ورحم الله الشفيف عبد العزيز المبارك، فإن أغنية (يا عسل) كانت آخر عسل في قنينة الأبرياء والغُبُش.
أما المناحل بنحلها فقد بددت عصابات دقلو طمأنينتها، فسافرت من غير جواز إلى غينيا بيساو.
(5)
أفكار لها سيقان قديماً كانت جدلاً عميقاً على أعمدة الصحف والمجلات، وبواطن الكتاب والمسامرات الجادة.
أما الآن، فقد أصبح البديل: سيقان لها أفكار، في أسواق التوظيف…
وسيقان لها دخان في أسواق الليل، وسيقان لها مساطر وعساكر في أقسام الحركة ومستشفيات العظام، وسيقان لها أسفار في أسواق الهجرة والرحيل المر،
وسيقان لها ديدان في أسواق الفناء بأحمد شرفي والبكري وحمد النيل،
(والصحافة) الصحافة التي أصبحت مقبرة الأفكار والتذكار غير العزيز!!!
بالمناسبة، (أفكار لها سيقان) كان اسم عمود للشاعر والكاتب الكبير محمد مفتاح الفيتوري في بداية الستينات، حين كان رئيساً لمجلة هنا أم درمان، التي كانت أكثر المجلات السودانية انتشاراً وتأثيراً.
وبعد أعوام طويلة من العطاء الثرّ والإضافة، غاب الفيتوري، وغابت زوجته آسيا عبد الماجد (أم إيهاب)، المعلمة والممثلة والكاتبة ذات الأثر، وقُتل تاج الدين، ابنه، في منزلهم الصغير ببُجري، لأن المليشيا اتهمته بأنه مواطن مسلاتي.
إن تاج الدين هذا مطابق لاسم السلطان تاج الدين الذي قهر فرنسا على أعتاب الجنينة.
(6)
المتشبثون بالسلطة دون إشراك الآخرين، يرغبون في ضربها ضربة واحدة، دون وعي بالمصير…
والمقاطعون للحوار، الناقمون على جيش الشعب، يحلمون بضربها منفردة أيضاً…
وبهذا الغرض الدنيء، سوف يحلمون طويلاً، ويتقاعسون عن التواضع ودعم الشرعية.
وهم بذلك في انتظار لحظة تاريخية لن تأتي أبداً.
إنهم، للأسف، حلفاء: الطامعون والمتقاعسون، يسعون لغاية واحدة، وإن اختلفت الوسائل والأهداف، والمهم جداً أنهم حلفاء… ليت قومي يعلمون.
إن الحل هو في عودة التيار الوطني العريض، والالتفاف حول الجماهيري رغم وعثائه، بدلاً عن التشبث بالتيار السلطوي رغم نعمائه.
فالوعثاء مع خشاش الأرض المتصل، أجدى من نعماء السلطة المنفصل!
(7)
*ستعود الموردة إلى بهائها الرياضي والثقافي والسياسي، إذا أدرك الأحفاد أن الأجداد والآباء بلغوا بها المراقي، لأنهم خرجوا بها من قيد (الحي) إلى طلاقة (الحياة).
هذا الحلم سوف يأتي، إن عادت الموردة الأم.
وفي عودتها، سوف يلتف حولها الصبيان والصبايا،
أحفاد عمر التوم وختم وعمر عثمان وبكري عثمان وعلي سيد أحمد (الصياد)،
إذا قامت الأبيض بفك التسجيل.
إذا لم تدرك الشعوب قيم الشجاعة الخائفة، والخوف الشجاع، فإنها تظل أبداً مسمّرة ما بين التهور الأعمى والتردد المذل.
(برقية إلى من يهمه الأمر) حين يدرك أن الشجاعة قيمة،
وأن الخشية بشجاعة قيمة أخرى لا تقل عنها.
(9)
كل الأثرياء يبحثون عن الشهرة عبر الشعر، والرياضة، والفنون، والزواج من الجميلات، وصداقة النجمات، والتقرب من الرتب والمقامات، وشراء الشهيرات والشهادات…
ولكن، ما كان أحد يصدق أن بحث ترامب عن الشهرة يفضي به إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية (حتة واحدة!) لكنه غدر المقادير… ومقادير الغدر.
(10)
وكان شيخنا يقول لنا أيام الصِّبا: “إن المفردات هي بوح الدواخل، فإن صدقت المفردات، صدقت الدواخل. وإن أخطأت، أخطأت.”
وإن استيقنت هذه، استيقنت تلك.
وكان استدلاله الرصين حين قال: “قال سيدنا يعقوب: (أخاف أن يأكله الذئب)، ففقد يوسف، وفقد بصره.
وحين قال: (أفوض أمري إلى الله)، عاد يوسف، وارتد إليه بصره.”
فيا إخوتي، فوضوا أمركم إلى الله، وانتظروا البشرى…
بعودة يوسف، والبصر، والبصيرة، والتكامل بين مصر والسودان تحت ظل العزة والعزيز.