
العيلفون جنة عدن
كتب: عصام جعفر
دخلناها وسط أغاريد الطيور وخرجنا منها وسط القصف وزخات الرصاص.
هبطنا أرض المثلث في مدخل مدينة العيلفون ذات صباح باكر قادمين من ود مدني والطير في وكناتها والحياة لم تدب بعد. قلنا لصاحب الركشة الذي كان يقف وحيداً في ذلك الوقت في انتظار زبون: (ماشين ناس المدير ) فقادنا اليه مباشرة فالناس في العيلفون يعرفون بعضهم البعض ويعرفون الغريب من اول وهله واذا عرفوه بعد ذلك صار منهم.
المدير الذي قصدنا منزله هو عبد الرحيم احمد عبد الرحيم الذي جاء العيلفون مديراً للمدرسة فصار علماً من أعلامها.
العيلفون درة حفها النيل الازرق واحتواها ارض الخصب والنماء والناس الطيبين الذين يلقونك بالتحية متى ما قابلتهم حتى النساء يسلمن عليك في وقار وحشمة ومودة ظاهرة.
العيلفون جمعت بين المدينة والقرية بين الحداثة والتاريخ الذي له عبق متمثلاً في ضريح الشيخ ادريس ود الارباب راجل العيلفون البسابق التلفون. والحداثة تتمثل في الأحياء الجديدة الأنيقة والشوارع المخططة والمضاءة والميادين الواسعة الملحقة بها أندية ثقافية ورياضية.
ولا زالت العيلفون تتطلع إلى المستقبل فاستاد العيلفون كاد أن يكتمل والمركز سيتحول إلى مستشفى كبير والمراكز الثقافية فيها متعددة ومتنوعة وسقى الله تلك الأيام التي أمضيناها في مركز عثمان يوسف الثقافي برفقة الزميل الاذاعي حاتم الشيخ وتبادلنا فيها أمهات الكتب والمراجع.
مجتمع العيلفون متسامح وودود على تنوعه واختلاف مشاربه فالختمية في مسجدهم يحيون ليالي العيلفون والسلفيين في مسجد سبيل الرشاد يؤدون رسالتهم ومسجد الشيخ إدريس منارة للقرآن والعيلفون فيها أجمل المساجد من حيث الهندسة والعمارة مثل مسجد الموردة الذي يعتبر تحفة معمارية بجانب دار ياسر لتحفيظ القرآن.
*وأنت تسير في شوارع العيلفون على خطى عظماءها ورموزها تستحضر سيره الحاج مضوي محمد أحمد الرمز الاتحادي والطيب النص الزعيم الاسلامي الذي خدم الحركه الاسلامية بماله وجهده وتتذكر الفنان الشعبي المبارك حسن بركات والجاغريو الذي غنى الفنان عبد الله الماحي من شعره:
العيلفون جنة عدن
أنوارا كم يتلاصفن
أقمت في العيلفون أيام بداية الحرب برفقة نفر كريم من أهل العيلفون وجدنا عندهم الأمن والأمان والألفة والصحبة الكريمة كنا مع الأخ إسحق أحمد فضل الله في داره العامرة واجتمع شملنا في مودة في مسجد سبيل الرشاد بصحبة الجنرال محمد بخيت و بابكر مضوي وأسامة كاريكا واللواء عابد وفتح الله ومصطفى علي حسن ودكتور الفاتح وعبود ومحمد أيوب وهيثم وعلي محمد الأمين المدير التنفيذي لاتحاد الخرطوم لكرة القدم ودكتور الكامل والباشمهندس تيسير وأولاد مصطفى حلاوة وآخرين سقطوا من ثقوب الذاكرة فلهم العتبى.
عايشنا في العيلفون أيام صعبة بعد أن اجتاحها الدعم السريع صباحاً على حين غرة وسقطت دفاعاتها الحصينة وسحب معسكر الجيش جنوده فخرجنا هائمين على وجوهنا بعضنا وجد سيارة تقله وآخرين على أقدامهم.
ولا زلت أذكر دخولنا العيلفون ذات صباح جميل مع شقشقة العصافير وتغريد الطيور وخرجنا منها ذات صباح كئيب بين قصف المدافع وزخات الرصاص.