إسحق أحمد فضل الله يكتب: (غرباء الأرض)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(غرباء الأرض)

وغرباء الأرض هم نحن… السودانيين.
وكانت المعرفة شيئًا له قيمة، لما كانت المعرفة تعني الاستعداد للرد.
والآن… لا رد.
…….
وفي تعاملنا مع العالم أيام ما يسمى بالغزو الثقافي، كان المشهد في المسرحية هو:
مسافرون في الصحراء… وقاطع طريق يقطع الطريق على هؤلاء المسافرين ويطلب ما عندهم.
كان هذا أيام استعمار فرنسا لمصر، والمسافرون ينظرون إلى الجلباب ويستعدون للقتال.
وقاطع الطريق الساخر يتأخر خطوات، وينزع الجلباب ويرتدي زي جندي فرنسي، ويطلب من المسافرين تسليم ما عندهم…
فسلموه.
المشهد الذي يوجز الحال في العالم العربي في القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين كان هو هذا.
(2)
قبل سنوات… السفير الياباني الجديد في الخرطوم كان يريد أن يعرف البلد وأهله… فدعانا، وجلسنا في حديقة معزولين. وبعض الحوار كان هو:
قال: أين اليابان في السودان؟
ونقول: ابعث أحدًا ليجلس في طرف الشارع… أي شارع نشط… ليحصي عدد العربات… وسوف يجد أن تسعة من كل عشرة منها يابانية.
قال: لأن بضاعتنا جيدة؟
ونقول: لأن السوداني الكريم النفس يحب التعامل الكريم… اقتصادًا وأخلاقًا و…
قال: والإرهاب؟
ونقول: احسب عدد الجرائم ـ السياسية وغيرها ـ في كل بلاد العالم، وقارنها بما يقع في السودان… تعرف الإجابة.
قال: لكن الحرب في السودان لا تنقطع (وكان يعني الجنوب).
ونقول: والجيش السوداني… في هذه الحرب، هل كان مدافعًا أم معتديًا؟
قال ثالث كان هناك: لكن جيشكم صغير.
ونقول: وجيش صغير يقاتل حربًا لا تنتهي، هو إذن جيش (تسلم البطن الجابته).
ونقول: في اليابان، الشعور بالعزة عندكم شعور يبتكر الهاراكيري… الانتحار وبطريقة مؤلمة… رفضًا للخضوع… والسوداني مثل ذلك.
استمع… ونقول للسفير: السودان في تاريخه الحديث لم يعبر جيشه الحدود محاربًا، ولا هو خضع لمن يعبر الحدود مهاجمًا.
(3)
في السبعينات، أرثر ميلر يرسم حال الكُتاب ويقول:
في تاهيتى، المطاعم الفخمة تستقبل الزبون ـ الثرى عادة ـ ويقومون “بشنق” الأوزة المطلوبة أمامه مباشرة، أمامه لأن حشرجة الأوزة التي تختنق هي جزء من المتعة، وكلما ازدادت حشرجتها ازدادت المتعة.
ميلر كان يقصد حال الكاتب مع الجمهور، لكنه كان يرسم حالنا ونحن نشكو حالنا للأمم المتحدة.
وفي المطاعم الفخمة… وحتى اليوم… يأتون للزبون بالجمبري حيًا… والزبون، والنساء بالذات، مغرمات بالجمبري الحي.
المرأة تغرس مؤخرة الجمبري في فمها وتشفط معدته، ثم تضعه برقة على المائدة وهي تمسح فمها الحلو بالمنديل الحريري الرقيق.
والجمبري يمشي خطوات وهو يرتعد ثم يسقط…
حكاية مجتمعاتنا حتى السبعينات كانت هي هذا في تعاملنا مع الغرب.
والحرب المهتاجة ضد الشعوب الآن سببها هو أن الشعوب أصبحت تشعر بما يجري… وهذا خطير جدًا.
ومن يدرسون الربيع العربي يجدون أن الأسلوب الجديد هو أسلوب التعامل مع الخيول المندفعة، والخيول المندفعة لتحويل اتجاهها يكفي القفز على ظهر الحصان الأول… والبقية تتبعه عادة.
والسطر الأول يقول: (والآن لا رد…) وهو سطر نرسله لبعث الرفض في نفسك، لأنك تجد أن هناك الآن رد… وردود.
والسودان الآن نموذج.