للحديث شجون، وللجراح هُتاف

لألوان كلمة

حسين خوجلي

للحديث شجون، وللجراح هُتاف

 

غالب المصائر المفجعة للشعوب تبدأ بتسريبات، ثم تشويش، ثم تغبيش، ثم مقالات مسمومة، ثم تقارير مفبركة، ثم وكالات إغاثة وجمعيات أجنبية خدمية، يتصدرها عملاء من أبناء ذات القطر المنكوب، وكالات من ظهرها ومن باطنها العذاب، ثم كوادر مشتراة تتحدث بلسان الفرنجة المتآمرين، ثم أحزاب عميلة، ثم تمرد مدني يتبعه تمرد عسكري، ثم ثورة مصنوعة ملونة، ثم طمس للهوية والعقيدة، ثم تدهم الجميع المذابح واللصوصية والاغتصاب وإفراغ الأرض من المضامين والناس والثروات، ثم التهجير القسري، ثم الإبدال بشعوب جديدة ليس لها من قبل أرض أو تاريخ.
وكل هذه المراحل قد مرت بالسودان، وأهل السودان كانوا في غفلة من أمرهم تحت تخدير الشعارات وأفيون الرخاء المنتظر. حدث كل هذا أمام أعيننا، وعندما انتبهنا لم نجد أمامنا قيادة، ولا بصيرة، ولا بندقية. وعندما استفحلت الأزمة تحولت النكبة في الوعي الشعبي إلى وجع ويأس وحيرة، وقد آن الآوان أن نحيلها إلى قوانين معرفية، فليس هنالك قرطاس ولا حبر، ولا هاتف، ولا منبر لتداول المقالات، ولا التقارير، ولا الدراسات الأكاديمية يعبر عن أزمتنا.
فقد أصبح أمرنا مثل ذلك الرجل الذكي الساخر الذي اعتقل في المحطة الوسطى وهو يوزع المنشورات في ورق أبيض ناصع لا كتابة فيه، وعندما بدأت معه الشرطة التحقيق أجاب ساخرًا: «نعم، جريمتي توزيع الورق الأبيض للجماهير». فلم يبقَ هنالك ما يُكتب أو ما يُقال.
وهذه الكلمات محاولة متواضعة منا لنصنع من النكبة حقائق، ثم نحيل الحقائق إلى عناوين حتى تصبح سلعة سهلة للشيوع والتداول والتوزيع.

1. الراهن الحقيقي يقول إن دارفور هي الآن خارج سلطة الدولة وخارج سلطة التمرد. دارفور الآن في قبضة خواء البلقع والجريمة والخراب.
2. وفي آخر التقارير المعلنة والمخبأة أن كردفان قد اقتحمها اللصوص والمغتصبون والجناة ليقوموا بمهام التهديد والتخويف، وشراء أمراء القبائل، ونزع الأمان عن المزارع والأودية والرعاة، حتى تصبح سبل كسب العيش المتاحة هي تجنيد الشباب والأطفال ودفعهم إلى معارك حصاد الأنفس المجانية. وإن أردنا أن نكون أكثر دقة، لم يفلت من كردفان إلا الأبيض الصامدة الصابرة الرمز، التي كلما أطل اسمها، تذكرنا المسدار الشهير:
قول للأبيض حاجة ما تغشاها
حملتك أمانة في القلوب منشاها
وقت السنة وقعت وإنكوت في حشاها
منو الغير شبابك درّجا ومشاها
3. نصيحتنا الأخيرة (البصمة) لقبائل كردفان وما تبقى من قبائل دارفور أن يعدوا أنفسهم للجلاء والإجلاء وحمل «البُقج» على الرؤوس صوب العراء المجاهيل، فالمؤامرة قد هيأت وأعدت وطناً ودولة لعرب الشتات بديلاً عن كردفان ودارفور.
أما من بقي من الأبرياء المساكين الذين لا يجدون سيقاناً للهروب، فعليهم الاستعداد لأسواق الرق والنخاسة الجديدة، سلعة مزجاة، والتجنيد لصالح الارتزاق في دول تحارب بالتقنية وتترك الأرض والسلب والدم لهذه العصابة، لأنها تخشى من النعوش المحمولة جواً. فحب الحياة هناك يغير الأنظمة وموازين القوة.
4. كل الحروب هي محض سلبيات، ولكنها في ذات الوقت فيها الكثير من الإيجابيات الكبرى. وبعض هذه الإيجابيات أن عصابة الدعم السريع ظلت تزعم في أدبياتها الآثمة الكاذبة أن أبناء الوسط مجرد «هوانات» لا يجيدون المنازلة والمواجهة والقتال. وكانت المفاجأة أن الشمال والنيل الأزرق والوسط الماهل والخرطوم قد انتفضت، وأجلتهم عنوة واقتدارًا وبسالة، هاربين إلى المنافي والحجور والمتاهات ومزبلة التاريخ. (تحسبوا، لعب شليل ترتار وقيرا، جري ونطيط بطان فوق الدميرة؟).
5. آن الآوان للشمال والوسط والشرق والنيل الأبيض والنيل الأزرق أن يعدوا العدة ويتحالفوا لتكوين أكبر جمهورية متسقة الرؤى والثقافة والمصالح والمنظومة القيمية في أفريقيا والعالم العربي. ليس ذلك حلماً، بل هو أمر واقع، والقراءة الصحيحة لجدلية الجغرافيا والتاريخ، وهذه بشارة الدولة (الانسجام) بحدها الأدنى والمتاح، فهي وحدها القادرة على استعادة كردفان ودارفور للسودان الكبير، وإعادة الهيبة لعواصم الجوار: انجمينا، بانغي، جوبا، وبقية المتآمرين الذين لا نعلمهم. الله يعلمهم وهو خير الحافظين.
والعبارة اللماحة التي يطلقها الغبش وملح الأرض ولا تستمع لها النخبة الحاكمة: «الجفلن خلهن، أقرع الواقفات».
6. سرقوا بحذق وتجويد يحسدون عليه كل ممتلكات الشعب، وأحرقوا كل ما لم يستطيعوا حمله أو ترحيله حسداً من عند أنفسهم الأمارة بالسوء، دمروا كل البنية التحتية للسودانيين: جامعاتهم، جوامعهم، مشافيهم، مكتباتهم، مصارفهم، فنادقهم، وزاراتهم، حدائقهم، ومنتدياتهم، وتفاصيل إعلامهم من إذاعات وقنوات وصحف ومسارح، حتى الخلاوي ورياض الأطفال لم تسلم من الإعدام والنهب والتخريب.
هؤلاء هم يا مسعد بولس الأمريكي، الخبير والمستشار، الدعامة الذين نعرفهم، فأرجو أن تكتشفهم أنت بنفسك، وتكتشف الدعامة الأجانب أصحاب الياقات البيضاء والأرصدة والسلاح والتحريض، الذين يطمعون في ثرواتنا وشعبنا ليدسوا خصيصتهم وحقدهم القديم ضد أرضنا وشعبنا وتاريخنا. وحين تدرك ذلك وتكمل دراسة الجدوى، فنحن على أتم الاستعداد للحوار مع أنفسنا لا مع هؤلاء المرتزقة.
فإن كان لك إعلان بذلك، فكلنا آذان صاغية، وكل قلوبنا وعقولنا معابر. فنحن شعب كامل الوفاء للحياة حين تكون بشرف، وللموت حين يشطب من دفاتر التاريخ المذلة والخضوع. وقبل اليوم أعلنتها عفيفة جريحة، وهي ترى شقيقها الشهيد قد تدلى من مشنقة المستعمر المستبد واتباعه:

الإعلان صدر واتلمت المخلوق
وبعيني بشوف أب رسوة طامح فوق
لو جات بالمراد واليمين مطلوق
ما كان بتشنق ود أب كريق في السوق
وإن أردت التحري، هنالك أرض اسمها الجزيرة، وقبيلة اسمها الحلاويين، وساحة مشنقة اسمها «كتفية»، وشهيد اسمه الفكي عبدالقادر ود حبوبة، وله حكاية أشهر من حكاية المجاهد عمر المختار. ولكن زاد هذا الشعب من الإعلام ضئيل، مع أن شهادة الرجل بشهادة أخته كانت أشهر المراثي بعد مرثية الخنساء عن شقيقها صخر:
بتريد اللِطام أسد الكداد الزام
هَزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفِقًرْ قلام
7. سافر المسؤول الجنوبي المكلف بالمهمات الخطيرة إلى تل أبيب، حيث بدأت المباحثات بين جنوب السودان والموساد تمهيداً لتهجير سكان غزة إلى جنوب الجوار الحبيب. ليس هذا هو الخبر وحده، ولكن تؤامه المثير أن ترمب ونتنياهو قد أكملا مخططهما التآمري كاملاً بلا ستر، ولا ستار، ولا تستر. فليس في حسابهم مقولة «الشينة منكورة».
والمشاهد والمسموع والمقروء أن آلة القتل تصرع يومياً مائة فلسطيني، وتجرح المئات، ويفتك الجوع واليأس بالبقية، والمحصلة وآخر المطاف أن غزة (جرح دنيانا الذي لا يندمل) سوف تصبح ملاذاً مخيفاً وغير آمن للجرحى والمذهولين واليتامى والأرامل والشيوخ فاقدي السند، والأطفال المبتورين. وغداً، وسط هذا الصمت العربي والإسلامي المريب، سوف تتحرك الناقلات الإسرائيلية الأمريكية الجسيمة لتبتلع هذه الحشود البشرية الكسيرة المستباحة، لتلقي بها في عراء الصمت وأودية السراب القاحلة. وقد أختاروا جنوب السودان، أو الصومال، أو الصحراء الكبرى وطناً حتى تهجير قادم صوب المقابر الأممية، حيث لا ماء ولا هواء، ولا حتى مجرد طائر عابر في سماء العدمية يشهد على الجريمة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان في الزمان الهرقلي الجديد.
أما عواصم الغفلة العربية في جامعة الدول العربية، فسوف نعلق على صدرها الفقير المباني والمعاني المثل السوداني الذي نرجو من كل قلوبنا أن لا يشرحه لهم أحد. فهم يشبهون: «مثل ديك المسلمية، هو يعوعي وبصلتو مكشنة».
8. ليس في السودان ماء غير النيل، ولا ثروة غير الأرض، ولا إرادة مثل الإنسان. ويا لها من بواعث مرتجأة للنهضة! نحن لسنا في حاجة للتكنوقراط وورش العمل والمزاعم ودراسات الجدوى المفتراة. نحن في أمس الحاجة للمبدئيين، هؤلاء النفر الكرام المعافى من الأوهام، الطاهر الزاهد الذي يتجول في قلب الجماهير، يقودهم في تجرد صوب المعالي، وحب إشراف الأمور والخير الموسوم بالهيبة والتنمية والسلام.
وإذا كانت لنا نصيحة لضربة البداية وفاءً للأنفس الضائعة والبطون الجائعة، أن نبدأ «بدين العجين»، حيث تغني صادحة الحي فرحاً:
ضبحولنا الكرامة وصبحنا فرحانين
ضربوا دِنقرم جوني العيال مارقين
بسأل عن علي الفارس البقود تسعين
هو اللِدِر العلي ضهرو الخبوب والطين
9. المشروع الذي يجب أن نسوق له اليوم قبل الغد هو رفع شعار «زواج البركة»، حيث لا أعزب ولا عانسة في بلادنا، ولا رحم حلال يخلو من عفيفة أو مجاهد. فهذه أرض طمأنينتها في 500 مليون مواطن منتج ومكتفي ومتصدق.
والشعار الأمثل: ألا يبقى في بلادنا شبر واحد إلا وقد سمقت فيه نخلة أو سنبلة أو شجرة هشاب. أما أطلالة أرضنا على الأبيض والأزرق والنيل والعطبراوي والرهد وسيتيت وأودية أبو جبيهة والرهد أب دكنة والبحر الأحمر، فهي مستودع النفط والغاز والكنوز والذهب، و«السمك البياض». أما سواقي كسلا، فيجب أن تمتلي بغابات المانجو والبرتقال والليمون واللارنجا والجوافة والموز، وألا تُترك سهول البطانة وحواشات الجزيرة إلا ممتلئة بالأبقار الحلوب، وبوادي كردفان بالأنعام من ذوات اللحم الحلال.
أما ثروات الشمال، فنمسك عنها حتى لا تصيبها العين. فأما القضارف، فيكفينا منها قوت الملايين وعليق الفيتريت لنعمتنا وأنعامنا. وعلى قدح الكرام الخشبي نغني:
عليق الفيتريت زوْد قفاك إتردم
وجاك صي الفيافي والارايل الحُدم
ومن الأمو شبرين منو ما بتتقدم
أرح نتسلى في الزائلة البناها مُهدم
أليس من العيب أن نمتلك كل هذه الأراضي والمياه والماشية، ويكون أقصى حلم أطفالنا كوب حليب وقطعة خبز وطبق فاكهة؟ إن لم يكن هذا الحد الأدنى من حلمنا قبل التصدير، فيجب أن نعترف بأننا في بلاد لا نستحقها. وفي أرض أكبر من مقدراتنا وخيالنا، والعالمون ببواطن الأمور يعرفون أن «الطبيعة لا تعرف الفراغ». إياك أعني فاسمعي يا جارة!
10. لم أجد تعزية للأمير الأسير عبد القادر منعم منصور شيخ العرب الفياض بالحكمة والكرم والسماحة، غير أبيات العارف الشعبي حين رأى شبل الأسد الأسير المعروض للبيع في سوق القضارف، فقال باكياً وهو يرى هذا الحيوان الكريم سليل ملوك الغابة في قيد اللئام، وقفص الشتاتي الذليل، وحراس أراذل يعرضونه للبيع بثمن بخس دراهم معدودات، وقال قولته الشهيرة التي سمعها البشر وأدركتها الوحوش بلغاتها المختلفة:
في سوق القضارف جابوك درار وضيعة
وأمك في الحريم ماها المرا السِميعة
نترت ناس أبوك للقلوب لويعة
وإت كان كِبِر جنباً تقلب البيعة
قال الشاهد: إن صار فيلق مقدمة المقاومة الشعبية في غرب كردفان حمر (صر)، فإن كردفان الغرة والسودان الكبرياء مقبل على فجر الانتصار الكبير.