
حكاية من باب النقد الذاتي
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
حكاية من باب النقد الذاتي
لا أحد يدّعي بأنه بغير مؤهلات، فالرجل قد تخرّج في أميز الجامعات وشغل وظيفته العلمية بلا واسطة. وفي الجانب الآخر اختار في حياته الفكرية والسياسية أن ينحاز للجامع والجماعة والجامعة وغمار الناس.. اختار بيته بينهم، وزوجته منهم، واختار المدارس الحكومية لأبنائه وتأبّى على المدارس الخاصة والأجنبية رغم مقدرته وإمكاناته.
صار إمام المسجد، والركيزة الشهيرة تشهد بدروسه في الفقه والتفسير والدعوة وحركة المسلم المرتبطة بالقول والعمل، وحلّ مشاكل اليتامى والأيامى والمساكين.
جاءته السلطة فتم تصعيده إلى وظيفة تنظيمية وسياسية أرفع، وتنفيذية أنفع، وظل يصارع لكي يبقى في حارته ووسط العامة بكل ما فيهم من إلحاح ولجاج وتطاول وصدق لا يعرف التزييف أو المصانعة.
صمد طويلاً، ولكنه أخيراً انهار أمام ضغوط (الشلة) من الأثرياء التنظيميين الجدد الذين قالوا له في مرافعة لا تخلو من خبث عَطِن بالذكاء والرياء والذرائعية:
السكنى الفاخرة أليق لاستقبال الأجانب وضيافتهم، وأقرب لبيوتات السيادة والخدمة العامة، وأيسر من غلواء المواصلات والزحمة. بالله عليك دعنا من عبارتك القديمة بأن «الزحمة فيها الرحمة»؛ فهذا زمان الخصوصية والجدران العاليات والهدوء والهروب من المتطفلين. وما وجدنا من كل وجودية سارتر العميقة إلا عبارة: «إن الآخرين هم الجحيم».
وحين هدأ الحي الشعبي ليلاً في أمسية حزينة، استيقظ الناس فجراً فوجدوا أن مولانا المهندس الأغبش الزاهد قد انتقل من حي مكوار إلى حي المطار. لم يجدوه هو ولا زوجته راعية جمعية نسيبة بالحي الشعبي الغارق في ملح العذابات وأتون الإشكالات العصية.
ولأن السودانيين لا تعجزهم أبواب التقصي وإن سُدّت أمامهم الدروب، جاء الخبر بأن الباشمهندس من غير وظيفته الكبرى صار صاحب شركة ضرار لعمل وزارته، يأتيها العمل من الباطن، ليس فيها اسمه ولا رسمه، ولا يظهر توقيعه إلا في الملايين المتلتلة.
بنى البيت الأول لرفيقة الدرب الملتزمة وأبنائها (رضوة)، لأنه تزوج سكرتيرته التي هي في عمر ابنته الجامعية. وبنى الفيلا الثانية للأمورة في حي السعد الجديد.
ولأنه صار عجولاً لم يستطع أن يمنح صنو روحه القديم فرصة الإقناع والاقتناع والمداولة في زواجه الثاني. ولم يستطع أن يقنع صبياته وصبيانه فبادلوه جفاءً بجفاء.
وتحوّل العش القديم الوارف الزاهر السعيد إلى عش للصقور وحفرة للدبابير والنحل المتوحش، وتطور إلى مجتمع صغير من الكراهية لا يُطاق. الأمر الوحيد الذي حدّ من غلواء الصدام أن الفواتير مهما علت واستعلت كان يُستجاب لها في الحال. فالمال وحده أصبح المغلق لثورة الشك وضجيج الأسرة القديمة.
وهنالك حكايات عن تمرد الابن الأول والاصطدام المزلزل الذي أحدثه بمدخل أحد الكباري وكاد أن يزهق روحه وأرواح أصدقائه بعد خروجهم من احتفال مشبوه. وطال أسرته الكثير، وأصبحت الأم الكسيرة لا تستطيع السيطرة، وهو لا يُبالي في حضرة “الأمورة” التي صُنعت خصيصاً لتشابه المرحلة.
قابله يوماً أحد الأتقياء الأخفياء من أهل الصفة وزمالة العمل الدعوي القديم، وصدقه بنصيحة أهاجته أولاً ولكنها حرّكت فيه بعض اللواعج والتدبر. وللحق ففي الرجل ما زالت بقية من فضائل وتوق وأشواق.
قال له: يا باشمهندس، إننا لا نحسدك في مال نلته بالتجارة والشطارة والرزق، ولكننا نخاف عليك من مال تناله بالتربح واستغلال النفوذ ولعبة الثلاث ورقات والمناولة تحت التربيزة. فإن أردت حلاله أو حرامه فعليك بالاستقالة.
هاج وماج وأرغى وأزبد، ولكن الرجل الفاضل لم يُكمل معه بقية النقاش. فقد أنزل الله عليه بَصّاً خالياً وفي مرمى إستراتيجي، فجرى صوبه لا يلوي على شيء…
في ليلة مقلقة حاصرته نصيحة الأخ القديم، فنهض كالملدوغ وأمسك بورقة وقلم وعدّد فيها فاتورة التزاماته الجديدة بأرقام برجوازية متسلطة: فواتير البيت الأول، مدارس الفرنجة للأبناء، السيارات السبع السمان، منزل العروسة الجديدة وتطلعاتها وأسفارها،
بيت التجميل بالساونا والحمام المغربي، معدات الكوافير والثياب والعطور والأصباغ… والقائمة تطول: الإجازات، أسفار العواصم الناعمة، التزامات الحراس والخدم والحشم… فوجد أن المبلغ لا يُطال ولا يُطاق إلا بالامتيازات والنهب الأنيق، والعمل الاستثماري الحرام من وراء حجاب، وفرض الخوة والكومشن الدولاري للصفقات الخارجية، والشراكات المؤقتة مع رجال الأعمال من كل حدب وصوب حتى الذين يخالفونه العقيدة والمنهج والرؤية بفتوى أن الدولار لا دين له.
ولأن هواجس تطهّر المرحلة ووعيد القيادة ووزارة العدل قد طالته نفسياً، وسدّت عليه آفاق المتعة والنوم، وتظاهرات النفس اللوامة (تلتو ولا كتلتو)، فقد قرر أن يجدول توبته.
الضمير نهض متثاقلاً من نومه (الخُزاز)، فتقدم باستقالته بعد أن مزّق ورقة التكاليف وارتضى بما قام بتخزينه وتوفيره بالداخل والخارج من عملات وعقارات وشراكات وأنصبة وأسهم.
وحاول جاهداً أن يجمع ما بين الزوجة الأولى والصغيرة في بيت واحد، يستأجر الثاني تخفيفاً من نظرة الراصدين. وما زالت محاولة الجمع بين الماء والنار جارية…
استجمع كل تجربته الفكرية والسياسية القديمة وكتب ورقة لقيادي يثق فيه كان بيت القصيد فيها: *”إني أرى أن كل هذه القيادات، وأنا أولهم، قد أسكتنا فينا بواعث الزهد والتجرّد الذي يمنحنا أمان الرضا النفسي الذي نستطيع أن نخاطب به وعبره الناس. ولذا فإني أرى أن يذهب كل هذا الطاقم من القدامى بلا استثناء. وهنالك الكثير من الأخيار فينا الذين لم يُختبروا بعد، وهم كُثر، خاصة وأننا تكوين سوداني مفتوح فيه الكثير من التيارات والأجيال والأفكار.
وملحوظة أخيرة: أن نفتح أمامهم أبواب التجريب والرقابة والثقة، وأن نوصد أمامهم أبواب التصعيد من حي مكوار إلى حي المطار، ومغادرة بنسيون الجماهير إلى فندق المشاهير. والسلام.”*
هذا وقد استلمت ألوان نسختها، ولكن لم تصلنا إفادة عن النقد الذاتي والتوبة النصوحة.
ولأن كل شيء كان مصيره التسويف والتأجيل، فقد أُفض السامر وانطوت المرحلة، وآلت القصور والمحتويات الثمينة غنيمة في أيدي اللصوص الجدد.
وتقول بقية الرواية أن صاحبنا يمكث الآن في إحدى المنافي البعيدة يغالب شيخوخته وأدواءها. وقد غابت عن رفّه الكتب وامتلأ بالمضادات الحيوية والمنومات وأكوام الفيتامينات التي أعياها ضعف الساقين والمعدة والأنامل. ولأن الرجل له اهتمام بعيد بالأدب فدائماً ما كان يتأسى بأبيات شوقي:-
ذَهَبَ الجَميعُ فَلا القُصورُ تُرى وَلا أَهلُ القُصور
فَلَكٌ يَدورُ سُعودُهُ وَنُحوسُهُ بِيَدِ المُدير
أَينَ الأَوانِسُ في ذُراها مِن مَلائِكَةٍ وَحور
المُترَعاتُ مِنَ النَعيمِ الراوِياتُ مِنَ السُرور
العاثِراتُ مِنَ الدَلالِ الناهِضاتُ مِنَ الغُرور
ويواصل شوقي مرثيته في وداع السلطة والسلاطين بأبياته الشوارد:
أَنا إِن عَجِزتُ فَإِنَّ في بُردَيَّ أَشعَرَ مِن جَرير
خَطبُ الإِمامِ عَلى النَظيمِ يَعُزُّ شَرحاً وَالنَشير
عِظَةُ المُلوكِ وَعِبرَةُ الأَيّامِ في الزَمَنِ الأَخير
شَيخُ المُلوكِ وَإِن تَضَعضَعَ في الفُؤادِ وَفي الضَمير
تَستَغفِرُ المَولى لَه وَاللَهُ يَعفو عَن كَثير
وَنَراهُ عِندَ مُصابِهِ أَولى بِباكٍ أَو عَذير
وَنَصونُهُ وَنُجِلُّهُ بَينَ الشَماتَةِ وَالنَكير
عَبدَ الحَميدِ حِسابُ مِثلِكَ في يَدِ المَلِكِ الغَفور
سُدتَ الثَلاثينَ الطِوالَ وَلَسنَ بِالحُكمِ القَصير
تَنهى وَتَأمُرُ ما بَدالَكَ في الكَبيرِ وَفي الصَغير
لا تَستَشيرُ وَفي الحِمى عَدَدُ الكَواكِبِ مِن مُشير
كَم سَبَّحوا لَكَ في الرَواحِ وَأَلَّهوكَ لَدى البُكور
وَرَأَيتَهُم لَكَ سُجَّداً كَسُجودِ موسى في الحُضور
خَفَضوا الرُؤوسَ وَوَتَّروا بِالذُلِّ أَقواسَ الظُهور
ماذا دَهاكَ مِنَ الأُمورِ وَكُنتَ داهِيَةَ الأُمور