الإنقلابات العسكرية في السودان: إمّا للقصر وإمّا للقبر

كتب: محرر ألوان

من أغرب الانقلابات في تاريخ الحركة السياسية السودانية المعاصرة، الانقلاب الذي تم في 9 نوفمبر 1959م، وهو أول انقلاب عسكري ضد حكومة التسليم والتسلم التي أهداها عبد الله خليل الأمين العام لحزب الأمة ورئيس وزراء حكومة السيدين للفريق إبراهيم عبود قائد الجيش يومها. وقد قاد الانقلاب الإخوة كبيدة: البكباشي يعقوب والضاغ عبد الرحمن والبكباشي علي حامد واليوزباشي عبد الحميد عبد الماجد (وهو شقيق الشاعر كامل عبد الماجد) والصاغ عبد البديع علي كرار واليوزباشي الصادق محمد الحسن، وجميع العسكريين المذكورين آنفًا قد تم إعدامهم ما عدا الصاغ عبد الرحمن كبيدة لأن قانون القوات المسلحة يمنع إعدام الإخوة في أي تجاوز عسكري، لذا قد أعدم البكباشي يعقوب وتم الحكم بالسجن على شقيقه.
وقد كان الانقلاب مشتركًا بين مجموعة من المدنيين والعسكريين، وكان يقود الاتجاه المدني الرشيد الطاهر بكر المحامي الأمين العام للإخوان المسلمين بالسودان والرجل المثير للجدل، وقد قام بتدبير الانقلاب دون إخطار قيادة الإسلاميين في السودان. وقد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات قضاها في سجن بورتسودان، وتم إطلاق سراحه بعد ثورة أكتوبر، وبسبب هذا الانقلاب تم إبعاده من قيادة الإسلاميين وتم انتخاب مفجر ثورة أكتوبر الدكتور حسن عبد الله الترابي أمينًا عامًا للحركة، وانضم بعدها الرشيد للحزب الاتحادي الديمقراطي وفاز عن دائرة القضارف وأصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء بعد انقلاب مايو.
ومن مدهشات هذا الانقلاب أن الأستاذ أحمد سليمان المحامي المركزي بالحزب الشيوعي السوداني كان أحد المشاركين فيه. ومن العسكريين الذين اتهموا وتمت محاكمتهم بالسجن المؤبد والطرد من الجيش الملازم محمد محجوب عثمان وهو شقيق الراحل عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني وزوج الطبيبة خالدة زاهر السادات. وقد أفلت للمرة الثانية من الإعدام في طائرة المقدم بابكر النور وفاروق حمد الله في انقلاب 19 يوليو حيث أجبرت طائرتهم على الهبوط في ليبيا وتم تسليمهم لجعفر نميري، وكانوا يومها على متن طائرة الخطوط الجوية البريطانية وكان بينهم محمد محجوب عثمان الذي لم يعرفه أحد فأفلت من الإعدام بأعجوبة. ومن الذين تم إدانتهم اليوزباشي عبد الله الطاهر بكر شقيق الرشيد الطاهر قائد الانقلاب، والملازم أول محمد جبارة وقد صدر الحكم عليه بالسجن (14) عامًا.
وظلت وقائع هذا الانقلاب حديث الوسط السياسي زمانًا، ومن الذين تم تبرئتهم في الانقلاب لعدم كفاية الأدلة لكنهم أبعدوا من الجيش يومها: الملازم جعفر نميري والملازم والشاعر عوض أحمد خليفة والملازم الشاعر الطاهر إبراهيم. وكان ممثل الاتهام في القضية الضابط الشهير مزمل سليمان غندور الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للداخلية في إحدى حكومات جعفر نميري.
وفي هذا الانقلاب الكثير من الحكايات والأسرار التي تصلح كتابًا، ولكن دائمًا المناسبات الخطيرة التي تضيء تاريخنا السياسي والعسكري تسقط عن الذاكرة وتفلت من جهد الصحفيين والإعلاميين السودانيين المشغولين أبدًا بالآني من الأحداث والساذج من المواقف.
الصورة يظهر فيها الشهيد البكباشي علي حامد ورفاقه في الانقلاب الشهير.