مراجعات في جلد الذات

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مراجعات في جلد الذات

1

حُبِّب للإدارة في السودان إقامة هذه الجبال العملاقة من (الضانقيل). المكاتب ملأت الأفق «مكاتب في مكاتب فوق مكاتب» حيثما ذهبت؛ مكاتب الوزارات، الولايات، المحافظات، المحليات. ملايين (الدولّب) ملأت البسيطة والأثاث والمكيفات والترابيز، والترابيز التي تلد الترابيز الأصغر والفوائل، والحاسوب، والديكور، والموظف غير المؤهل، وأخطر من هذا كله فلسفة (اللا عمل) والعطالة التي أحبطت كل المتفائلين.
كل شيء يتداعى: المصارف، المصانع، المؤسسات، الصحف.. سألني أحد الأطباء بالأردن وقدم لسؤاله مرافعة: كان الأطباء السودانيون أوائلنا في كل مراحل التخصص، ولكن حالات التشخيص التي تصلنا تدل على أن الطب هناك متخلف. فغر فاه وهو يستمع لي مجيباً قبل أن يوسع أذنيه، لأن إجابتي كانت لي وله صادمة: (نحن يا دكتور عندنا في السودان داء قديم اسمه (المحقة)!.
أيش المحقة؟ نعم المحقة.. لكنني لن أفسر أو أشرح، وأترك لك المعنى حين تزورنا لتكتشف بنفسك أن عيادة الطبيب في زقاق الزبير باشا، وصورة الأشعة في برندات السوق العربي، وفحص الدم في مجمع ود الرسالة بالمايقوما، والعملية في مستشفى الكدرو التعليمي. وبعد كل هذا الجهد تم تأجيل العملية المستعجلة لأن صاحب البنج «الكتل والي الدين» الذي يقطن بمحطة ود البشير قد تأخر أكثر من ساعة، وأن السستر «بحر النيل» لم تصل حتى نهاية المباراة، وتم سحب الضحية لأهله يتلوى بعد أن كان يتمطى!!
وأكملت مرافعتي للطبيب الأردني قائلاً: إن لم تفهم (المحقة) وصُحباتها في قاموس سلوكنا اليومي، وعيل صبرك وأنت تبحث عن مفردات ما نقول، فإني أقصر عليك المسافة وأحيلك إلى بيت المتنبي ذائع الصيت:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً *** كنقص القادرين على التمام
نحن – عزيزي القارئ – القادرون العاجزون، وما قلناه حول هذا النقد الذاتي يظل فكرة تصلح للنقاش في ظل الضحي والأمسيات. أما المكاتب والبيوت فقد أصبحت بعد النكبة أطلالاً، وأما المحتويات من الموجودات الإلكترونية فهي تُباع الآن في (سوق دقلو) بأفريقيا الأوسطي وتشاد والنيجر (بتراب القروش).

2

هذه قائمة افتراضية اعتباطية ندلي بها للهروب من العمل، وهو ضرب من فنون الاعتذار لا يستطيع أي مدير أو مسؤول أو حتى وزير أن يرفضه أو يعدل فيه، لأنها أعذار مصنوعة (من عرق الكسل) وحياكة الحكايات الخبيثة. والقائمة تطول ولكننا نختصرها في الآتي:
الوالدة يا سيادة المدير وصلت ببص دنقلا اليوم وماشين نستقبلها.
يا سيادة الباشكاتب قولوا لينا سلامتكم مقدماً، فصاحبنا عبدالجبار انكسرت رجله بالعزوزاب.
من ميدان النص حملنا الكابتن رنقو صاحب الكسر المزالف لمنزل البصيرة (زينب بت بتي) وأخذنا معاه اليوم كاملاً غير منقوص، فأرجو أن تعذرنا في الغياب.
الحافلة طرشقت لستك في الشنقيطي والمساعدي ما عنده عفريتة، فضاع منا اليوم انتظاراً.
الولد قالوا له تجيب ولي أمرك، وما عنده (زول غيري).
جاتني شهادة في محكمة العشرة في قضية طلاق، وأمر القاضي مستجاب.
عربية مدخنة في كبرى النيل الأبيض عطّلت الحركة ساعتين.
الولية «انكسر» فيها نزيف.
حاج عوض «المغترب» ربنا افتكره، قعدنا في الفراش يومين.
إنت عارف براك يا سيادة المدير، بركة شهر رجب والذنوب مدرّعانا، والصيام فيه واجب.
يعلم الله ثمانية أيام ساكين إجراءات العمرة.
اتفضل وقع لينا على إجازة (الوضوع) للمدام يا باشكاتب الهنا والسرور، وما تنسى يومين السماية.
أنا يا سعادتك عايز إجازتي السنوية.
وبعد كل عذر صادق أو مكذوب يهمس المدير المغلوب على أمره: “حاضر”، ويوقّع، والرواتب تترى، وصفوف الغبش تسد الأفق انتظاراً لإنهاء العاملات.
عذراً سادتي، فقط سقطت من ذاكرة الأعذار الداخلية المعطِّلة للعمل والمعاملات: حصة الفطور، الجرايد، الكورة، وأمور السياسة، وأخبار البندورة، وأخبار العصفور، وارتفاع سعر الدولار.
قالت وثائق العمل الأجنبية والمؤسسات الدولية إن متوسط العمل في بلادنا عشر دقائق فقط لا غير في اليوم! ولو سألوا الناس لماذا؟ لكانت إجابتهم المقنعة: أين العمل والإنتاج الذي نعطّل له راحتنا ومشاغلنا الخاصة؟
هل نحن في حاجة لاكتشاف أنفسنا، والقول الصريح لأي شيء يصلح هذا الشعب؟ لماذا أفرادنا بكل هذا التميز في التقهقر؟ ولماذا ننهار إذا أصبحنا فريقاً؟
هل آن الأوان لإطلاق ثورة النقد الذاتي، التي تنتقد النساء فيها النساء، وتنتقد فيها النساء الرجال، وكذلك يفعل الرجال بالمثل؟ نعم لقد آن الأوان لكي نقيم في كل فسحة بيت، وفي كل شارع، وفي كل مؤسسة، وفي كل صحن مسجد، وفي فناء كل مدرسة، مهرجاناً للجلد الذاتي، لأن النقد الذاتي أصبح لا يفيد.
لماذا اختفت المواهب؟ ولماذا أطلّ زمان التقليد؟ لماذا تبدو الأشياء مبعثرة؟ لماذا اختفت جمهورية الحي والحارة القديمة؟ لماذا أصبحت الأحياء الشعبية بائسة باكتظاظها، ولماذا صارت الأحياء الراقية أشد بؤساً بقلة ناسها وانعدام أنسها؟ لماذا فقدت القرى طعمها؟ وفقدت المدن ملامحها؟ لماذا يهاجر الجنوب صوب الشمال؟ ويهاجر الشمال صوب المنافي والصقيع؟
أسئلة لا تعني أحداً ولا تعني جهة.. مجرد أسئلة في سماء الإطلاق، علها تبعث في الأنفس بعض شجن النفس اللوامة، هذا الشجن الذي نحلم به شجراً ظليلاً، ودرباً نظيفاً، وناساً (قيافة) في بساطة و(فاهمين) في تواضع، يغنون بديلاً لهذا الغثاء بأبيات العارف:
يا بلادي كم فيك حاذق
غير إلهك ما أما رازق
من شعاره دخول المآزق
يتفانى وشرفك تمام
مسرح الغزلان في الحدايق
والشوارع الغر والمضايق
قول لي كيف أمسيت دمت رايق
ودام بهاك مشمول بالنظام
كل هذه القيم المذكورة آنفاً والتساؤلات لا تحتاج إلى إمكانات، ولا تحتاج لميزانيات، ولا دراسات جدوى.