
الصف الأول خط أحمر
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الصف الأول خط أحمر
من الحكايات اللطيفة والموحية وذات المعاني والدلالات ما سمعته من طبيب عربي شهير، اختصاصي وعالم وله إمكانات موسوعية في معارف الدين والدنيا، قال يوماً: إن الذي قاده إلى التفقه في الدين ومعرفة أغوار وأسرار القرآن والتفسير وأسباب النزول وأدب التفكر والتأمل في ملكوت الخالق العظيم، حادثة عابرة لكنها غاصت في قلبه وعقله عميقاً عميقاً.
فقد ذكر أنه في إحدى ليالي رمضان بالحرم المكي الشريف وفي صلاة التهجد أتى باكراً وجعل مكانه في الصف الأول خلف الإمام مباشرة، وحين قارب زمان تكبيرة الدخول للركعة الأولى إذا برجل يمسك به ويسأله في نبرة واثقة ومهذبة وصارمة: (هل تحفظ القرآن يا رجل؟) فقلت: لا. فقال: إذاً ارجع إلى الصفوف الخلفية، فالصف الأول حكر على أصحاب السبق المقترن بالقرآن؛ حتى إذا ما أخطأ الإمام نبهوه وصححوه، وإذا حدث له حادث أخرجه عن الصلاة فإن أي واحد في الصف الأول مؤهل ليكمل الصلاة. وأنت باعترافك بعدم الحفظ لا تملك الجدارة للوقوف في الصف الأول، خاصة وأن هذه الصلاة منقولة وموثقة ومسجلة.
وقد قبلت راضياً طرح الرجل وإقناعه المؤسس، فانصرفت في حزن إلى الصفوف الوسطى من الحرم. وبعد انتهاء صلاة التهجد أصابني حزن كثيف لهذه الحادثة، فنذرت نذراً تملكني بصدق أن أحفظ القرآن في العام القادم ليؤهلني للصلاة في الصف الأول في ذات المكان وذات الزمان إذا عدت في ذات الأيام المباركات من العشر الأواخر من الشهر المعظم العام القادم.
وفعلاً عكفت منذ يومي ذاك على الحفظ والتجويد، وبحمد الله قبل إكمال العام كنت قد حفظت القرآن كاملاً بتجويده، وقرأته وراجعته مع مجموعة من مشايخ الحفظ، فأجازوني واستلطفوا صوتي وطريقة قراءتي، فمنحوني ثقة فوق ثقة. وفعلاً كتب الله لي بلطفه وتقديره أن ألحق بأيام التهجد للعام الثاني بالحرم المكي في العشر الأواخر.
وسبحان الله، فما إن وقفت خلف الإمام مباشرة حتى أطل ذلك الرجل صاحب الموقف القديم كأن الأمس هو اليوم، وأمسك بيدي وردد على مسامعي ذات التحذير القديم للمغادرة. فقلت له بمنتهى الثقة والرضا: أنا يا سيدي قد حفظت القرآن كاملاً وبالتجويد. فابتسم ابتسامة فيها الكثير من الفرح، وغادر وهو يلتفت نحوي بكثير من الإعجاب الخفي. والغريب في الأمر أن إمام الحرم لم يخطئ إلا في آية واحدة وكنت أنا مصححه ورددته إلى الصواب. وبعد انتهاء الصلاة ربت الإمام على كتفي مبتسماً ودعا لي شاكراً.
ودائماً ما كنت أقول لتلاميذي في دروس الفقه والقرآن والتفسير، وللأطباء الشباب في عيادتي بالمستشفى الكبير: عليكم يا أبنائي أن تهتموا بالعبارات والكلمات التي تطل من قلب المواقف والأحداث المؤثرة، فمثل هذه العبارات قد تغير مجرى حياتك وأسلوب تفكيرك وعملك وحكمتك في الدنيا. وقد أيقنت أن حكايتي هذه أحدثت أثراً كبيراً في تلاميذي في الطب والفقه، لأنها شاعت وسط الناس هنا وهناك.
ومن لطائف ما سمعت في هذا الضرب من الحكايات أن مطرباً شعبياً شهيراً سوّلت له نفسه ذات مرة أن يصلي بالصف الأول في أحد مساجد أم درمان، ووقف خلف الإمام مباشرة. ولسوء حظه وسوء حظ المصلين، فاجأ الإمام نزيف بالأنف فترك مكانه في الإمامة وخرج مسرعاً بعد أن جذب المطرب من جلبابه الناصع ليكمل الصلاة. وقد كانت دهشة إمام المسجد كبيرة حين وجد المطرب خارج المسجد بجواره في (الوضوء) والإمام يحاول جاهداً عبر الماء المسكوب أن يوقف النزيف المندفع والمتدفق بغزارة ليلحق بقية الركعات.
التفت نحو المطرب وقال له في حيرة: ما الذي أتى بك إلى خارج المسجد وقد طلبت منك أن تكمل الصلاة بديلاً عني؟ فرد المطرب ببساطة تماثل السذاجة: (والله أنا يا مولانا كنت فاكرك عايزني في موضوع).
وإن كان في الحكايتين من درس يهدي، فإننا نوصي أهل الأحزاب والحكومات والمؤسسات والوزارات والهيئات العليا للجيوش والشرطة والأعيان والمشايخ أن يحرصوا على الصف الأول وقيادة الصف الأول، وإلا فإن إمام أي واحد من هؤلاء حين يخلو مقعده سيظل هذا المقعد شاغراً، ويبقى المصلون أو الناس في الانتظار. وياله من انتظار.