في باب الأسئلة الصعبة والإجابات الصريحة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

في باب الأسئلة الصعبة والإجابات الصريحة

إن أجمل وأصدق ما في المسلمين مصادر القوة والحق والفصاحة، «اللغة بمعناها الصدامي النبيل الذي لا يرغب فيه الأعداء»، وعلى تعدد اهتمامات المفكرين والفقهاء والقادة يتنوع الترتيب، ولكنهم كلهم يتفقون على أن هذا الثلاثي يجب أن يكون لكي يكون للفكرة وللدولة معنى.
وبعض علماء الحضارات يؤكدون أن اللغة الحية هي مستودع القيم، وهي المحرضة أبداً على بقية البنيات الأخرى المعنوية والمادية؛ لتنهض حين توهن البنيات، وتقف حين تقعد، وتُصان حين يصيبها التشويش والتشويه.
ولذلك أسموه بعرش اللغة، الذي يجب ألا ينهار، لأنه لو انهار سينقطع حبل التواصل ما بين الأمة وقيمها، فيصبح القادة والمصلحون خُرْساً، وتُصاب الأمة بالصمم (وهنا لا تُشبه المباني المعاني ولا تُعبر عنها).
وللغة الباعثة على الحضارة شروط، وأول هذه الشروط الصدقية في المعاني والمباني، والحزم والإيحاء، والتنزل البلاغي العلمي على قامة الأزمة والقضية والفكرة. «فأي لغة كسولة ومترهلة ومثقلة بالمحسنات لا تقوى على حمل القضية ولا الاستنهاض، وأخطر من ذلك أنها لا تقوى على حمل العلم ولا الإيمان».
فكم من أمم انهارت جيوشها ودُكّت عواصمها وأُحرقت بنياتها ومعالمها، ولكنها نهضت من جديد لأن لغتها كانت موّارة ومفعمة بالتجييش والتحفيز وبواعث النهضة، كانت لغتها تجد دائماً طريقاً لقلوب الجماهير والنخب على مختلف نعوتهم: الحزين منهم، والكسير، واليائس، والمعطوب، ليصبحوا أحراراً.
إن اللغة الحاضرة الواثقة هي مثل أزميل الصيانة في يد الفنان الماهر، فعبر خبرته وريشته ودهانه وأزميله، قادر على إعادة الحياة للوحات العريقة التي أصابتها أخاديد الأيام أو أيدي العبث والتلاعب والتشويه.
فالأمة قادرة على النهوض إن استطاعت أن تعين وتصون لغتها وتعيد لها بكارتها الأولى كما يفعل المثال بالصخرة المهيأة للتمثال.
إن أي تشوهات في القيم وممارسة التطبيق عبر المفاهيم الخاطئة على الأرض، إضافة إلى منظومة الكذب والمراء والخروج والتجاوز، كل ذلك يُلحق باللغة عاهات تصعب معالجتها، وعليه فإنه لا مجال لإعادة التحضر والمدنية والأخلاق والإضافة لصالح الإنسانية، إلا إذا سارت المفردات اللغوية والمفردات القيمية متطابقات وجنباً إلى جنب، أي باختصار: أن تصير مفردة الحب هي قيمة الحب نفسه، وأن تصبح مفردة الإيثار هي قيمة الإيثار نفسه، وأن تمسي مفردة الجماهير هي بذات قدر وقيمة الجماهير نفسها.
أما إذا شاع في مجالس الناس أن الكلام في الإعلام والسياسة والاجتماع هو مجرد «فلتات جنان وطق حنك وكلام ساكت» وحديث سمر من أحاديث الخبز والحشيش والقمر كما يقول نزار، فلن يجد الناس أبداً طريقاً للتخاطب الحضاري، وإن كانوا لن يعدموا لغة يومية مستهلكة للتخاطب الآني تفي بشراء علبة التبغ والتعاطي بالغناء الرخيص والتغزل في العواصم والنساء، بما لا يصدقه مطلقه ولا المطلق فيه أو المطلق عليه.
إن اللغة تبلغ مداها في التأثير حين تتحالف مع المنهج والبرنامج، وحينها يضع الشعب خطوته الأولى على طريق الانتصار والإضافة لصالح البشر ولو بعد حين.
إن من بشريات مكارم الأخلاق، أن الفرد يحس بعز الانتصار النهائي حين يضع خطوته الراسخة على مدارج الانتصار الابتدائي، ولذلك قد يتعجب بعض المراقبين لتضحيات بعض المصلحين التي قد تذهب أرواحهم عاجلاً والانتصار بعيد، بل قد يكون الانتصار آجلاً في حياة جيل قادم.
ويعيد التفسير الوحيد نفسه: أن أهل الصدق يحسون بطعم الانتصار وتفعم قلوبهم به، لأنهم يرونه رأي العين في الذين ينادونهم عبر الأزل بمأثور النداء العرفاني: «واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد».
والتحالف ما بين اللغة العارفة والقيم المفحوصة والبرنامج العملي والجماهير المدربة على زهد النفس وترف الباقيات الصالحات من الأفعال والأعمال، هو الذي يستطيع تغيير هذا الواقع السوداني والعربي والإسلامي الكالح المثقل بالمحبطات والقارعات إلى إضاءة ونور ونهضة وانتصار.
ولعل جميع المفردات من هذه المنظومة القيمية تشكل المنهج والمنهج يصبح اكثر فاعلية ووضوحاً، حين نزيح عنه احباطات وعثرات وهزائم الواقع، فالجوهر العربي الاسلامي الانساني «جوهرته» نفيسة ومقدسة، حتى اذا ما أزحنا عنها ما ران على محيطها من تراب الانتكاس وتآمر الحاقدين من بني جلدتنا ونصرائهم من وراء الحدود، تعود هذه الماسة حالاً الى اللمعان الوميض ذلك الذي يهدي احبابها إلى سواء السبيل، ويغشي ذياك البريق اعين اعدائها، فيعودون يتخبطون من المس والاضطراب والشتات.
وأول محاولة جادة تبذل لازاحة هذا الخبث وتراب الايام القاسية والليالي السود والإنتكاسات والهزائم .. هو في إعادة طرح الاسئلة الفلسفية ببراءتها الاولئ.. اسئلة المعنى والمغزى والمآل والمصير والدور الإختياري والمقدور عليه بالطاعة والإستطاعة.. ومعنى الحياة ومعنى الوجود والخلود والعدمية والفيزيقي من المشهود، الميتافيزيقي في عالم الغيب .. ومثلما أن للفلسفة أسئلة اولى نقلها الثقات العقلاء من باب التدبر والعبادة عبر الفكر إلى ساحة العمل والفعل الحضاري، فكذلك للسياسة اسئلة اولى يجب أن تعاود تمثيلها الشرعي على طاولة السياسة العالمية ..
اسئلة من شاكلة:
«1»
لماذا لا يكون لاكثر من ملياري مسلم حق الڤيتو في مجلس الامن، مع ان ذات الحق مكفول للصليبية والصهويونية والالحادية والوثنية والعلمانية بشتي مدارسها وهم أقل بكثير من تعداد الملسمين؟
«2»
لماذا يصبح من حق كل هذه الحضارات الدنيا والوضيعة امتلاك السلاح النووي الذي خلقوه لاذلال المسلمين، ولا يصبح ذات السلاح حقاً للمسلمين للدفاع عن انفسهم فتمتلكه تركيا ومصر وإيران والسعودية وإندونيسا؟
طبعاً لا اسئلة تطلقها العواصم المقيدة ولا إجابات تمنحها دول الاستكبار {ولذلك انا سعيد هذه الايام، بل ان كل شرفاء العالم العربي الاسلامي سعداء، لان الرئيس الايراني المؤمن والخارج منتصراً من وعثاء الحرب التي هدت كبرياء إسرائيل وأطالت قلقها وهواجسها وهي تري قلبها يتهاوي وقاطنيها يسكنون الأنفاق، فالرجل يعيد تسويق اسئلة البراءة الاولي في الفلسفة والسياسة..
ويتساءل هل فعلاً مجازر .
«الهولوكوست» التي يمتص بها اليهود خزائن الغرب وعقولها ودموعها صحيحة؟ وهل هي أكبر من «الهولوكوست» وأبشع من الذي يحدث في غزة ويشاهده العالم أجمع في غفلة أزلت بسقوطها وجه البشرية الجاحدة المعاصرة، والرجل الذكي لا ينتظر الاجابة من احد، بل يجيب بنفسه بانها مجرد اكاذيب وافتراءات وصور فوتوغرافية مزيفة لا بتزاز العالم، بتصوير اكبر مصنع لتصدير الارهاب والجريمة في هيئة حمل وديع وطفل رضيع يستحق تاريخه وحاضره ومستقبله الرعاية والتأمين والحماية وحرية البطش للذين يشككون في براءة الحيلة الفرية في عينيه، بل يضيف الرجل العارف ان كانت وأمريكا أو بريطانيا وألمانيا على كل هذه الشفقة والحزن والقلب الكسير على اصحاب (العهد القديم)، فلتقتطع لهم من اراضيها قطعة يتنعمون بها تحت رعايتهم ودموعهم واموالهم..
نعم على حسابهم هم وليس على حساب الامة العربية والاسلامية والشعب الفلسطيني البطل الصابر المصابر ابداً على بلايا المحنة التي ابت ان تغيب في طوايا امة العرب والبترودولار والتواكل الماثلة.
انا سعيد والكل يسمع «ولولة» واشنطون ولندن وباريس وبون وتل ابيب من يغظة شعوب الأرض رغم الحزن والجراح. وهي ترى ان الاسئلة الاولى تزيح رويداً رويداً الشوائب عن الماسة الاسلامية المتمثلة في قبلتها وليس في قنبلتها.
ألم اقل لكم ان اجمل واصدق ما في المسلمين القوة والحق والفصاحة. يقول إن (أبو العتاهية) إجاد في الدنيا والزهد حيث قال:
اِصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ وَاِعلَم بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
أَوَما تَرى أَنَّ المَصائِبَ جَمَّةٌ وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبادِ بِمَرصَدِ
أما عمر الخيام فقد أجاد في الدنيا والفلسفة حيث قال:
سبقت العالمين إلى المعالي بصائب فكرةٍ وعلو همه
فلاح بحكمتي نور الهدى في ليالٍ للضلالة مُدلهِمه
يريد الجاحدون ليطفئوها ويأبى الله إلا أن يتمه
– حينها وثق أهل النقد في النقد والتمييز حين أباحوا سرهم (ومن قال ان ابا العتاهية افصح من الخيام)؟!.