الجيلي عبد المنعم .. (مرحبا يا شوق)

الجيلي عبد المنعم .. (مرحبا يا شوق)

بقلم: أمير أحمد حمد

الشاعر والقانوني الضليع الجيلي عبد المنعم عباس ابن رفاعة الذي يتنفس شعرا ساهم في تشكيل وجدان الشعب السوداني رحب بالشوق عندما عانق شوقه حنجرة وردي (مرحبا يا شوق) فإزداد شوقنا للاستماع أكثر فكان الهوى الأول: (أخادع نفسي بحبك وأمنيها)، حاول يهرب من ذكراه ولكن كانت أيامه باسمة كما أخبرنا عنه ابن البادية بلحن شجي كلحن الهوى الأول (وردي). وبعد هذا كله (ليه تسيبنا يا حبيبنا) فقد غلب القانون على الفنون، كنا نريد أن يكون هنالك هوى ثاني مكمل للهوى الأول وأن يبتل الشوق فيزداد شوقنا وتكون أيامك أكثر إبتسامة ولكنك آثرت أن تسيبنا يا حبيبنا.

 

وتشير سيرته الذاتية إلي أن الجيلي عبد المنعم من مواليد ١٩٤١م وتلقى تعليمه الأولي والأوسط بمدينة رفاعة، ثم حنتوب الثانوية، ثم جامعة الخرطوم عام ١٩٦٠م كلية القانون فتخرج منها عام ١٩٦٥م وعمل مستشارا للبرلمان حتى انقلاب مايو وفي عام ١٩٧١م. وإلتحق بالقضاء العسكري، ثم هاجر إلى دولة الإمارات العربية وأستقر بها إلى يومنا هذا. هذه باختصار سيرة المبدع الشاعر الجيلي عبد المنعم. أما مساهمته العظيمة في روض وحديقة المغنى السوداني فيمكن وصفها بأنها قلة في الإنتاج وعظمة في الإمتاع، مثله ومثل بعض من كتب الأغنية قلة في الإنتاج لكن ظل أثرها باق في وجدان وحنايا المستمع السوداني، لأنها كتبت بصدق ووجدت حناجر ذهبية لم تصدأ عبر الزمن ووجدت كذلك ألحانا خلدتها، فصارت تحتل مكانا عليا في وجدان الشعب السوداني، فمثله الشاعران حميدة أبوعشر والتجاني سعيد، فكتبا قليلا لكنه كان عظيما بمقياس الإبداع والخلود، فمن يجهل أغنيات حميدة أبو عشر: غضبك جميل زي بسمتك، أو محبوب لاقاني، أو ظلموني الأحبة، وكذلك قلت أرحل، أو من غير ميعاد.
فالشاعر الجيلي عبد المنعم عباس سار على نفس نهج حميدة وحاكاه التجاني سعيد باعتبار الجيلي سابق التجاني سعيد.
استطاع الجيلي عبد المنعم عباس أن يجمع في نظمه الشعري بين النظم باللغة العامية والفصحى بخفة ورشاقة واقتدار. وأتى بمفردات ذات جرس يأسر الأذن شجيا، فظهر هذا التناغم البديع في أول غرس غرسه في حديقة الغناء السوداني وهي أغنية (أيامك):

أيامك باسمة ياقلبي وانت بتشكي
تتظلم وبهجران أحبابك تحكي
وتساهر الليل ونجومو
وتقاسي براك همومو
تواسيك عيوني الساهرة
وتبكي آه تبكي
مكتبولك جنة ياقلبي وما راضيها
شوف الدنيا وزهر الريد حافيها
أطيارا وديعة مسالمة
وظلالا الوارفة الحالمة
همسات عشاق مع الليل والليل راويها
انت خلقوك للحب والهوى والنشوى
وصاغوك حنان ومودة وسلوى
وليه ترمي عيونك دمعة
وفؤادك تحرقو لوعة
خلقوك عشان ما تردد أجمل غنوة

كلمات جاءت مموسقة تحمل في طياتها لحنها فأودعها في بريد الفنان محمد وردي فألبسها لحنا بديعا جعلها خالدة في أذهان المتذوقين فلم يجد صعوبة في لحنها لأنها كما ذكرت تحمل لحنها في كلماتها المتجانسة فأحالها إلى زهرة فصارت نغما طروبا، ولكنه آثر بها الفنان الصاعد آنذاك صلاح ابن البادية فاستمع إليها المستمع بصوته العذب الرقيق فكانت فتحا عظيما في جدران المكتبة الصوتية الإذاعية. وأكدت هذه الأغنية قدرات وردي اللحنية وإمكانيات ابن البادية الصوتية وكلاهما في بداية حياتهم الفنية.
واستمر الشاعر الجيلي عبد المنعم عباس في كتابته بالعامية وغرس شتلة أخرى في حديقة وردي في عام ١٩٦٣م وهي أغنية الهوى الأول، كتبها وهو في بلاد المهجر ألمانيا:

أخادع نفسي بي حبك وأمنيها
وأهرب حتى من ذكراك وألاقيها
دموع الحسرة في عينيا أخفيها
نار الشوق أقول الصبر يطفيها
أقول أنساك وأنسى شقاي لو قادر
وطول الغربة والحرمان بلا آخر
أسيبك كيف وإنت الناهي والآمر
وكيف أصبر وعارف نفسي ماصابر

جاءت كلماتها تقطر عذوبة وحلاوة وعبارات نابعة من نفس صادقة رغم بعاده عن المحب لكنه عائش في كيانه. هكذا تقول سطورها وقوافيها المتعددة التي ساعدت وردي على لحنها البديع، فمات وردي وظلت ألحانه حية تسعى بيننا.
بعد ذلك ذهب شاعرنا إلى كتابة الشعر الفصيح بكل سلاسة واقتدار يحسد عليه فكانت العربية طوع بنانه وظهر ذلك جليا في رائعته: (مرحبا ياشوق) لنرى كيف رحب بالشوق وهو أمر عجيب في أدبيات أهل الهوى والغرام:

لم يكن إلا لقاء وأفترقنا
كالفراشات على نار الهوى جئنا إليها وأحترقنا
كان طيفا وخيالا ورؤى ثم ودعنا الأماني وأفقنا
بالذي أودع في عينيك إلهاما وسحرا
والذي أنزل في فيك الحسن إشراقا وطهرا
لا تدعني للأسى يدفعني مدا وجزرا
أثقلت كفي الضراعات وما تقبل عذرا
يا حبيبا بت أشكو حرقة الوجد إليه
وتوسلت نذرت العمر قربانا لديه

حقا تنقل بنا الشاعر كالفراشات استمعنا إليها ولكن لم نحترق بل رحبنا بالشوق معه واستمتعنا بكلماته وقوافيه الجزلة المتنوعه فزادت النص حيوية وتشوقا بأسلوب أقل ما يقال عنه عذب. لحنها وردي فكانت أروع وأمتع ألحانه وأظهرت قدرته على تلحين الأغنيات ذات اللغة الفصيحة
فخرجت به إلى آفاق أوسع في التلحين لأن بداية ألحانه للكلمات العامية
وبعدها هجر شاعرنا كتابة الغناء وإنشغل بعمله، ولكن أستطاع الفنان عثمان حسين أن يستكتبه فكانت كلمات أغنية: ليه تسيبنا، فسطر كلماته بالعامية التي أجاد نظمها:

ليه تسيبنا يا حبينا
للضنى الما بنتهي
للشقا الفوق جبينا
رسم خطوط ما بتنمحي
مش كان حرام تحرمني حتى الإبتسام
تحرمني منك لو عتاب غشتاقه وأفرح بالملام
حرام عليك أجيك بالشوق وأعود بالهجر منك والخصام
خليني أتعذب براي ضائع محطم الهوى
وجفني المسهد بالدموع رويتو ما أرتوى

ليت شاعرنا استمر في كتابة الأغنية ولكن يقيني ما خفي أعظم مما ظهر.