
أيام الله (السبعة)
ولألوان كلمة
أيام الله (السبعة)
(الأربعاء)
الناس في دارفور يعاقبون بعضهم البعض على كل (لمم) وعلى كل تقطيبة وجه بالموت الصريح. الناس في دارفور حين يغضبون تقاتل القبائل القبائل، وحين يعز قتال القبيلة للقبيلة، تقاتل القبيلة أحد بطونها وتتنزل للأفخاذ حتى الأطراف.
وفي لحظات الاستراحة القصيرة المتبقية يقاتلون الحكومة ويحرقون بيت الوالي؛ يفعلها المهاجرية والمواطنون (فراجة). والراهن الآن يقول إن القبائل مختطفة حيث لا حاكم ولا بيت حاكم، وحيث الأمراء والنظار مجرد أنفار لصالح عصابة دقلو التي، بعد أن تكمل جريمتها كاملة، سوف تأمرهم بحفر قبورهم ودفن أنفسهم والبندقية على رؤوس الجميع.
ورغم هذه المرارات، فهنالك شمعة في آخر النفق، ولا نقول ضوءًا، وهناك بريق أمل ما دام هناك بعض الحكماء المقهورين، وهناك بعض الحلول الميسورة والمتاحة في عسر، أو قل إنها غير معقولة وأصابها الجنون لأنها فشلت في تفكيك الأزمة، فلم يبق بين أيدينا إلا الحلول المجنونة أو الساخرة. فلعلها، وسط دهشتنا وعيوننا المبهورة، تجدي. فما رأيكم دام فضلكم في أن نجعل أنجمينا عاصمة لغرب دارفور، وبانقي عاصمة لجنوب دارفور، وأبوظبي عاصمة لشمال دارفور، وجوبا عاصمة لشرق دارفور، وأن نعين عبد الرحيم دقلو سفيرًا لدولة البطش الجديدة لكولومبيا (نعم هذا هو الحل التراجيدي بلا أي مذكرة تفسيرية)!.
(الخميس)
استيقظت أم درمان في ليلة من ذات الليالي لتجد أن خمسة من أبناء (حي الضباط والموردة والعباسية) قد اختفوا، وباءت كل محاولات الإحاطة بهم بالفشل، ولم يجد لهم أحد سبيلًا أو دليلًا.
وقد تكاثرت التأويلات: ترى هل اغتالتهم عصابة؟ أم قتلتهم (9 طويلة)؟ أم ماتوا غرقًا في لحظات غفلة؟ أم أصابتهم حمى الضنك التي أعيت الطبيب المداوي؟ أم أن هجرة البحر غير المأمونة قد أغرتهم بالرحيل صوب المجهول؟ أم أنهم اختفوا كما اختفى دكتور عمر هارون قديمًا؟ أو غُيِّبوا مثل الفارس الفريق أنس عمر، ومجاهد الكلمة والفكرة محمد علي الجزولي، بدون شاهد أو وصية أو إفادة؟
لم يبق أمام أبناء سوميت وعشري الصديق وتوفيق أبو كدوك وعبد العزيز عبد الحي ومحمود أبو بكر وبقية الجنرالات الوحدويين إلا التخمين بأنهم قد يكونوا قد أسسوا خلية جديدة لجمعية اللواء الأبيض بالمناطق المحررة في جنوب السودان.
(الجمعة)
مات أبو قطاطي ومعه تجللت بالسواد الأماني العذبة، ودخل درب المحبة الغابة المتوحشة، وقامت (الحاء) على طريق الإيجار بالباطن بإبعاد (الهاء).
فصار اسم النشيد الأشهر (الفينا مشحودة). وبعده رحل هاشم صديق، وفي قلبه البيت الذي لم يوثقه في رائعة مصطفى (حاجة فيك)، ولم يستطع أن يعيد صياغة الملحمة. رحل هاشم على (عربة كارو) إلى ملاذ بعيد من بانت التي أحبها، وكنا نظن أنه سيُحمل على أكف الراحة والتصفيق، فهاجر في زمان الحاجة والترقيع إلى حيث لم يجد ورقة وقرطاسًا يكتب عليها قصيدته الأخيرة أو الوصية.
ورحل صلاح، ورحل سند، ورحل بازرعة، ورحل دوليب، ورحل ود حد الزين، ورحل الصادق إلياس، ورحل محمد يوسف موسى، ورحل عوض أحمد خليفة، ورحل عزمي أحمد خليل، ورحل عز الدين هلالي. ترى من الذي بقي ليكتب الأغنيات للوطن الجريح والعروسات اللائي جعلن من ثوب الحداد زفافًا؟.
(السبت)
أطلق شاب شهم في إحدى بوادينا (الفسيحة والمريحة ولو بعد حين) سراح حمار التف حبله حول عنقه، فلما ضمن الإفراج أطبق على عنق الفتى فأرداه قتيلًا. هذا زمان انتقل فيه الضجر وقلة الوفاء حتى في الحمير!
(داريكولا) المتهم ما زال قيد الحراسة، ولم تخرج نقابة الحمير في بلادنا بيانًا حتى صدور هذا العدد بحجة أن نقابتها غير شرعية. رحم الله الفتى الذي جعل حياته فداءً للتنبيه بأن كل ابن أربعة أو اثنين في بلادنا يستحق الاتهام والحذر قبل السند وقبل التحية.
(الأحد)
بعد تلكؤ الإدارة الأمريكية في إنقاذ ولو بالقول المقهورين والمقتولين والمستباحين في مخيمي زمزم وأوشوك في شمال دارفور، فعندي اقتراح متواضع مفاده أن يوجّه سفيرنا بأمريكا دعوة للإدارة الأمريكية بأن تقيم مباراة كرة قدم أمريكية ضد فريقنا القومي تحت الإنشاء..
ولتكن النتيجة لصالح الفريق الأمريكي بأي أهداف يشاء، حتى تخرج أمريكا بيانًا مفاده أن المباراة هذه المرة كانت نظيفة مثل (الدبلان). بصراحة لقد أصبحنا لا نخشى من الاتهامات الأمريكية اليومية المسبقة، ولكننا أصبحنا نخشى على أنفسنا من الصمت المريب واغتيال الأشخاص والأشياء، والذي يُدبر لنا في الخفاء. مثلما نخشى على سمعة الشعب الأمريكي من رداءة التقييم المجحف لإدارةٍ ضد الناس الذين كرمهم الله من فوق سبع سموات، ونخشى عليهم من جيش أصبحت طبيعته ضد طبيعة الأشياء لأنه تعود على طبيعة (الأشلاء).
(الاثنين)
قالت الحكومة إنها ستوفر الخبز والسكر، وتشيع الأمن، وتعمر الخرطوم، وتكبح جماح الدولار.. وبالطبع فإن الجماهير تعلق عشمها على الحكومة المباركة حين تقول مثل هذه الوعود جهرًا، ودائمًا ما تكون الجماهير مع حبيبتها الحكومة يقفان في محيط الطرب العرفاني أو الطرب العملياتي: (أنا والأشواق في وعدك بقينا أكتر من غرايب)..
ولكنها تكمل أبيات الأغنية بقصة قصيرة؛ إذ يقول ظريف المدينة إن الجماهير تخاف من تصريح الدولار وهتافه قائلًا غير مبالٍ: (أنا الدولار الحر)، ويتبعه هاتفا: (السكر المر والخبز المستحيل). أما الأمان من الجريمة فيصبح شعارًا معلقًا على شعار المستحيل بقول الغبش: (الأمن في الخرطوم بعض من توقعنا، لو لم نجده عليها لاخترعناه)..
(الثلاثاء)
من لطائف العتاب والرد عليه أن أبا العتاهية الشاعر الرقيق وقع في محظور الحب وشاع أمر حبه وحبيبته، فاستدعاه الخليفة المهدي وقال له معاتبًا:
(ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك).
فقال مترافعًا:
من كان يزعم أن سيكتم حبَّهُ
أو يستطيع السترَ فهو كذوبُ
الحبُّ أغلبُ للرجالِ بقهرِهِ
من أن يرى للسرِّ فيه نصيبُ
وإذا بدا سرُّ اللبيبِ فإنَّهُ
لم يبدُ إلّا والفتى مغلوبُ
إنّي لأحسدُ ذا هوىً مستحفظًا
لم تتهمه أعينٌ وقلوبُ
أيها السادة من غالب نخب القادة المدنيين والعسكريين، وحاملي الأقلام والألسنة والسلاح والطمع والطموح الملحاح.. ما قولكم دام فضلكم بأن تصبحوا عشاقًا مثل (أبو العتاهية)، ويكون عشق السودان هو المحبوب الذي يهتك ستر اللبيب؟ وقديمًا قيل: إن اللبيب بالإشارة يفهم.