ثلاثية الخميس .. تداعيات من دفتر الذكرى

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ثلاثية الخميس .. تداعيات من دفتر الذكرى

1

الكتابة بحبر العواصم الحائرات

 

جلس وسط أسرته يحتسون أقداح الشاي في عاصمة عربية ما، والعواصم العربية تتشابه هذه الأيام في حيرتها وغفلتها (كتشابه الأوراق في الأشجار). كانوا ينتظرون على أحر من الجمر موعد الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي (المدبلج)، وإلى حين إطلالته حرّك الأب (الريموت) ليشاهد نشرة أخبار من باب ملء الفراغ (وتكسير الدقائق).
ومن سوء حظه أن المشاهد الأولى في القناة كانت تقريراً إخبارياً مصوراً عن تظاهرات احتجاجية انتظمت باريس ولندن ومدريد وتل أبيب، وهي تندد بالسفاح نتنياهو وتهتف بصوت متدفق وصادق وبشعارات تسد الأفق مطالبة بوقف الحرب فوراً، ووقف نزيف الدم والإبادة الجماعية والتجويع وسحل الأطفال والشيوخ والنساء وتدمير المنازل بقطاع غزة.
هنا التفتت نحوه طفلته ابنة السادسة قائلة: لماذا لا تتظاهرون يا أبي كما يفعل الناس؟
نزل عليه السؤال البريء نزول الصاعقة، فاجفل من نظرتها المحدقة في صرامة، وأدار وجهه حتى لا ترى موجات الانكسار في عينيه الزابلتين. صمت لبرهة ولم يجب، ولتغيير الموقف أدار الريموت إلى محطة أخرى. لكن الطفلة أصرت على سؤالها، بل زادت عليه:
لماذا لا تتظاهرون وتقدمون المساعدات لرفيقاتي في فلسطين والسودان ولبنان؟
وقد ساندتها في السؤال والدتها وإخوتها، حين قالوا للوالد ولي الأمر: نحن كلنا على أحر من الجمر ننتظر الإجابة.
فاضطر إليها ولي الأمر مزعناً، بعد أن استجمع كل شجاعته المفقودة وجرأته المتلاشية: إنها يا صغيرتي الغفلة والحيرة والفقر وحب الدنيا، التي لم يبقَ فيها من ثراء إلا الخبز الحافي وقيمة المواصلات ومصاريف المدارس وانتظار المجهول. إنه يا صغيرتي الاستبداد الذي مارسناه ضد أنفسنا قبل أن تمارسه السلطات، فتحالف ضدنا الاستبداد الخاص والعام، المحلي والأجنبي، فاعتقل الشوارع والحناجر والقبضات والهتاف والمشاعر والروح التي تحرك الجسد الضاوي صوب الكبرياء.
التفت بعيداً عن وجه طفلته وهي تحدّق في وجهه والمفردات، ليمسح دمعة حرى سالت على وجهه الشاحب، وبرقت في أعينه صورته القديمة حين كان شاباً ملء السمع والبصر ورئيساً لاتحاد الطلاب في الجامعة. عصر ذاكرته، فأطل مشهده القديم وهو يخطب في الجمعية العمومية للطلبة قائلاً بصوت فيه الكثير من الحماسة والبسالة والاستشراف: أنتم أيها الثوار نواة هذه الدنيا ومركز العالم. ولدتم ليس للوظيفة والعربة والعروسة، إنما ولدتم لترتيب الحياة القادمة، ليس لصالح بلادكم ولا العالم العربي، بل لتغيير العالم بأجمعه دعماً لقوى الحق والخير والسلام.
تذكر هتاف المظاهرة وتذكر جموع الطلاب حين حملته على الأكتاف زعيماً قادماً في الحركة السياسية القادمة. أجمع بأنه تأمل جسده الذي ترهل وأيديه التي ما عادت قادرة على حمل كتاب فما بالك بالبندقية. وانطفأت حماسة القديم، وأصبح كل موهبته مشاهدة المسلسلات وممارسة الصمت، والذهاب يومياً كالبغل الأنيس إلى مكان العمل. جلّدته الأيام فما عاد له في الدنيا من أشواق وأمل إلا انتظار يومه.
طال الصمت، ولم يكسر قيد نفسه إلا بداية الحلقة الأخيرة للمسلسل. وقرر منذ يوم الناس ذاك ألا يكرر فعلته، فمسح عن القائمة قنوات الأخبار، وقرر أن لا يفتح حواراً مع صغاره، وأن لا يدع أي فرصة للأسئلة الصعبة التي تستوجب الأجابات الصريحة.

2

ودائماً هناك إجابة

ومن الهدايا .. قال صاحب الأثر: إن وفداً من الروم زار يوماً أحد الخلفاء العباسيين، وكانت الخلافة الإسلامية ـ الإمبراطورية ـ تعيش أيامها الأخيرة، حيث تأكلت الإرادة وتبددت المبدئية واضمحل الولاء للأرض والعقيدة.
أقام الخليفة مأدبة عشاء لوفد الروم، حضرها الوزراء والأعيان وبعض المثقفاتية والشعراء الذين جلسوا في الصفوف الخلفية، وكان من بينهم أبو العيناء الشاعر الخليع المتمرد. وقيل إن الخليفة قدّم لوفد الروم بعض قناني الخمر المعتّق، فلم يُفَوِّت كبير الروم المناسبة بجلد الخليفة وتحقيره أمام بطانته، فقال ساخراً:
ما دمتم يا أمير المؤمنين قد تنازلتم وقدمتم لنا الخمر التي يحرّمها دينكم، فلِمَ لمْ تقدّموا لنا لحم الخنزير؟
حار الخليفة والبطانة، ولم يجدوا إجابة للسؤال المزلزل القاسي، واستطال الصمت لدقائق عدة كأنما هي دهر، والنصراني لا يدير عينيه عن عيني الخليفة انتظاراً للرد. هنا أشفق الشاعر الخليع المتمرد على الخليفة، وهزّته الإهانة، فنهض من وراء الصفوف قائلاً بصوت صاخب:
يا كبير الروم، إننا قد وجدنا بديلاً للحم الخنزير في لحوم الأبقار والجمال والخراف والماعز ولحوم الطير، بيد أننا لم نجد بديلاً للخمر.
وأذكر أن أستاذ اللغة العربية في المدارس الثانوية كان يطالبنا بحكاية عربية في كل حصة من آخر الأسبوع، من كل طالب. وكان يطالبنا فوق ذلك بأن نجعل لحكايتنا التراثية عنواناً. وقد اخترت يومها هذه الحكاية وجعلت عنوانها: (ودائماً تكون هنالك إجابة). وقد أهداني أستاذنا كرف على الاختيار والعنوان كتاب مقامات الحريري بإهداء أعتز به، ولا أدري هل بقيت المقامات في مكتبتي التي أحرقها الجنجويد، أم ما زالت مخبوءة تحت الرماد.

3

المعري يشارك في معركتنا ضد الأوغاد

أحد النكرات كتب قبل أيام مقالاً يهاجمني، ساعده فيه وضاعته والذكاء الاصطناعي، وليس هذا مهماً. والذي يعمل في المجال العام ويتصدى للأوغاد عليه أن يحتمل كبائرهم وصغائرهم، فنحن من قوم قد لاذوا زماناً بالصبر والصفح، وقد تكسرت النصال على النصال. كتبها لأنه كان يظن أنني سأرد عليه باسمه حتى ينال ذلك الشرف الذي لن يناله أبداً، ونحن أذكى وأنضى من الأنفس الكواذب والأرواح الآثمة.
ولكن مما حيرني أنه، ليؤكد أكاذيبه وجرأته على الباطل، ادعى في مقاله السفاح أنه قد عمل معي مديراً للمكتب الفني والتصميم بالمساء للإنتاج الإعلامي. وقد سألت القاصي والداني عن إدعاء هذا الحقير فلم يعرفه أحد. وقد ظننت في أول الأمر أن الشخصية وهمية، وأن الرجل أجبن من أن يتصدى لنا باسمه الحقيقي وعنوانه.
ولكن كانت دهشتي ومصيبتي كبيرة حين وجدته يكتب بصورته وعمامته ونظارته السوداء التي يخفي بها عيون السُكارى في أحد المواقع المشبوهة، فلزمت الصمت وتساءلت: هل وصلت جرأة الكذب في بلادنا إلى هذا الحد؟ وأن تُختبر الذاكرة لرجل ما زال يذكر حتى عمال النظافة في مؤسساته من بداية الثمانينات إلى اليوم، فكيف بمدير إدارة يذكر اسمه ورسمه ولا يبالي؟
وقد اتصل بي مجموعة من الذين عملوا معي في ألوان والمساء وقناة أم درمان يتساءلون: من هو هذا النكرة؟ وبعضهم أضاف لها: ومن هي هذه الحشرة التي لا نعرفها نحن وقد عملنا في كل المؤسسات ولم نغادر فيها صغيرة ولا كبيرة؟ فقلت لهم: إن مثل هذه الافتراءات والأكاذيب أصبحت سلعة، ولحسن الحظ سلعة كاسدة لا يشتريها أحد. وإن اشتراها بعض أصحاب الفراغ فإنهم بعد قراءتها مباشرة سيلقونها في أقرب سلة مهملات. وهذا لعمري زمان التفاهة الذي يتسع لكل المزابل وذبابها.
ودائماً ما يُزَعفك الشعر، خاصة شعر الكبار، بالتعزية والسلوان. وهذه المرة نستأذن حكيم المعرة لنتأسى ببعض لاميته الشهيرة:
إذا وَصَفَ (الطائيَّ) بالبُخْلِ (مادِرٌ)
وعَيّرَ (قُسّاً) بالفَهاهةِ (باقِل)
وقال (السُّهى) (للشمس) أنْتِ خَفِيّةٌ
وقال (الدّجى) (يا صُبْحُ) لونُكَ حائل
وطاوَلَتِ (الأرضُ) (السّماءَ) سَفاهَةً
وفاخَرَتِ (الشُّهْبُ) (الحَصَى والجَنادل)
فيا (موْتُ) زُرْ إنّ (الحياةَ) ذَميمَةٌ
ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل
حاشية: لي رجاء أخير للأخ إبراهيم الدلال أو الأخ كاكوم والأخ صديق المجتبي أو الأخ عبد القادر الحبيب أن يكتبوا عن هذه الشخصيات التي أوردها أبو العلاء بين الأقواس والتي تعبر عن الشيء ونقيضه، ففي الكتابة عنها نشر للحق والفضيلة والاعتبار، وفيها دعوة للاطلاع والنقاش.