جلسة أنس أمدرماني بقهوة يوسف الفكي

ولألوان كلمة

 

حسين خوجلي

جلسة أنس أمدرماني بقهوة يوسف الفكي

 

الصفحات والصفائح والصحائف عامرات بقميص (عامر) قديمًا (ومقاسه) وجبل عامر حديثًا (ومقاساته). وعلى شهرة الأول والثاني لم يجد الناس حتى الآن قناعة تفضّ النزاع مع صاحب القميص أو صاحب الجبل.
وتقول بقية الحكاية إن قميص عامر الأول قد (ذهب) مثلًا في الناس سائر، أما (ذهب) جبل عامر فقد صار سؤالًا في الناس حائر. ومن باب الذكرى أرجو أن ينشط الحدث الباحثين ليكتبوا عن عامر جد العوامرة، والمؤرخ الكاتب التجاني عامر، وضرس شندي الشهير عامر جمال الدين، والشاعر عمران العاقب، وبقية العقد الفريد من العامراب والعوامرة والعمريين.
أما الذهب فقد ذهب إلى أيدي العصابة والأجنبي، ولم يبقِ لأهل دارفور بل لأهل السودان سوى قول الساخرين من أهل الوسط: (الترابة في خشمكم).
لا أحد يرغب أن ينشغل هذا الماَهَري المقسّم القلب بين الضعين والجزيرة أبا عن أفراحه الصغيرات ووعوده الكبيرات وأطماعه المخبوات وعمالته المستترة. والصغيرات هنا من باب الملاحة، والكبيرات من باب (التفاهة). ولكننا أردنا أن نهمس في أذنه ناصحين قبل أن تشغله تفاصيل المال الحرام عن الكلّ المهيب والالتزام القديم: (عليك ألا تنسى يا سيدي بأنك لاجئٌ في ولاية جنوب السودان الجديدة!!!). لا بحر أبيض القديمة عزيزي القارئ. لقد حجبنا عن اسم هذا المنافق الجديد لأننا أردنا أن يقرأها هو وحده، وأن تتكفل أنت بالتخمينات.

هناك خبر عن بوادر أزمة غذاء في الولايات التي كانت تُعدّ (مطمورة) السودان في الزرع والضرع. وهذا الخبر المحزن مفاده عند العامة نصف فقر وربع مجاعة. وقد تمنيت لو تأجل قليلًا لما بعد الشتاء، فالشتاء في بلادنا يضاعف النِّسَب والمناسيب والمنسوب إليه وعليه. فأكثروا هذه الأيام من ذكرى النعيم ود حمد، أحيِ سنن البرامكة. بالمناسبة الشيخ الدكتور حسن الترابي أحد أحفاد هذا الرجل الكريم، والفكر والشجاعة دائمًا ما يخرجان من بيوت الجود والكرم والإنفاق. (والجماعة اليومين ديل واقعين على ود الترابي).

هنالك حزمة من الأفكار المرهقة والأفكار المستهلكة. فإذا اجتمعت على الأفكار المرهقة قيادات مرهقة لإدارتها فهذا يعني تكاثر مقابر الشباب وتكاثف المصحات العقلية للمراهقين. أما الأفكار المستهلكة إذا تحالفت مع القيادات المنهكة فإن الشعار الذي سيملأ الأفق هو الشهير: (وأضاعوني وأي فتى أضاعوا).

بداية الحل لأزمة العاصمة هو ألا تنسى الحكومة المركزية أبدًا أن الخرطوم هي عاصمة السودان مثلما هي عاصمة ولاية الخرطوم، وهي أيضًا ولاية الخرطوم، وهي السودان القادم للملايين الباحثين عن استراحة مذلة استعدادًا لهجرة أكثر إذلالًا.
الخرطوم ليست عاصمة الخرطوم يا سادتي بل هي حالة، وكذلك السودان. الخرطوم يا سادتي هي واحدة من أكبر الأقطار الإفريقية، وهي لا تحتاج إلى نظافة فقط يا سيدي رئيس الوزراء، بل تحتاج إلى تعقيم وتطعيم (وعمليات كحت) في كثير من الأحيان.

قامت الأسرة بكل (تكاليف) الزواج، من اختيار العروس مرورًا بكل التفاصيل والدعوة والكرنفال، حتى أسكنوه شقته الصغيرة الأنيقة المتكاملة الأثاث والرياش والفِراش، ظانين أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد. وبعد شهر واحد، استلف العريس هاتف جاره واتصل بالأسرة قائلًا في غضب غير حميد: (هل نسيتم أن الراتب لا يكفي لأكثر من ثلاثة أيام؟).
ألجمتهم المفاجأة، فبدأوا من جديد في نفض غبار دراسات الجدوى (عن قناعات سادت ثم بادت). وكان أهلنا يبررون تشاكس الأزواج والمناقرة والطلاق بقولهم: لقد زوجوه (لكن ما أدوهو مشهادو)، وهي عبارة تحتاج لشرح مستفيض من جيل البطولات لجيل التضحيات.

لا تنسوا أيها النائمون جهلًا أو تجاهلًا نسيانًا أو تناسيًا، أن هنالك أكثر من أربعة ملايين تلميذ في السودان لا يجدون خلوة أو مدرسة أو وجبة أو (فكة ريق). نعم أربعة ملايين يا سلة غذاء العالم.
عندما أرسلتها للسيد سكرتير التحرير رد عليّ في سخرية باكية: هؤلاء الذين لا يجدون فكة الريق يرفلون في سعادة لا يعرفها أطفال دارفور؛ فهؤلاء لا يجدون فكة ريق، ولا ملاذ من مدفعية العصابة، ولا حتى أبًا ينالون منه حضنًا دافئًا قبل الرحيل.

كان النشيد النموذجي للسوريين من الذين ركبوا البحر ووصل بعضهم لشواطئ أوروبا (أدنى الجحيم) حيث هربوا من أقصاه.. جاء الجلاد الأوروبي البارد بحاسوبه وأسئلته ونظرته المزدرية وعصاه ذات الكهرباء الصاعقة، فأنشد أهل الحضارة القتيلة بصوت منشدهم الأشهر:

يا أيّها الجـلاّدُ أبعِدْ عن يدي
هـذا الصفَـدْ.
ففي يـدي لم تَبـقَ يَـدْ.
ولـمْ تعُـدْ في جسَـدي روحٌ
ولـمْ يبـقَ جسَـدْ.
كيسٌ مـنَ الجِلـدِ أنـا
فيـهِ عِظـامٌ وَنكَـدْ
فوهَتُـهُ مشـدودَةٌ دومـاً
بِحبـلٍ منْ مَسَـدْ!

مواطِـنٌ قُـحٌّ أنا كما تَرى
مُعلّقٌ بين السمـاءِ والثّـرى
في بلَـدٍ أغفـو
وأصحـو في بلَـدْ!

لا عِلـمَ لـي
وليسَ عنـدي مُعتَقَـدْ
فإنّني مُنـذُ بلغتُ الرُّشـدَ
ضيّعـتُ الرّشـَدْ
وإنّني – حسْبَ قوانينِ البلَدْ –
بِلا عُقـدْ:
أُذْنـايَ وَقْـرٌ
وَفَمـي صَمـتٌ
وعينـايَ رَمَـدْ
من أثـرِ التّعذيبِ خَـرَّ مَيّـتاً
وأغلقـوا مِلَفَّهُ الضَّخْمَ بِكِلْمَتينِ:
ماتَ (لا أحَـدْ)!
عزيزي القارئ، هل أدركت الآن لماذا عاد السوريون والسودانيون إلى بلادهم سِراعًا، رغم أن البيوت بلا وسائد، والمطابخ بلا مواقد، والمخزن بلا طحين؟ فالوطن العراء أثمن بكثير من حلوى المذلة في المخازن البشرية المعدة من فتات الفرنجة.

كان الراحل المسرحي الشاعر خالد أبو الروس له عبقرية في تبرير كل قول، ويجد لكل قول أصلًا وسندًا؛ فكل شيء في هذه الدنيا عنده قديم وله أصل. وقد سأله يومًا الشاعر الراحل عتيق: يا خالد، إنت زمان كان في (تم تم)؟ – (نغمة شعبية خفيفة لأهل السودان).
فقال غير مبالٍ (بالحيل):
ألا تذكر حين تقدمت المرأة الحسناء إلى القاضي الشعبي فادعت عنده فقضى لها، فقال هذيل الشاعر المنشد الأشجعي:
فتن الشعبي لما
رفع الطرف إليها
فـتـنتـه ببنان
كيف لو رأى معصميها
ومشت مشيًا رويدًا
ثم هزت منكبيها
فقضى جورًا على الخصم
ولم يقضِ عليها
فتناشدها الناس وتداولوها (مثل سمسم القضارف) حتى بلغت مولانا الشعبي، فاستدعاه وجلده ثلاثين سوطًا. فلم تُكتب الصحف، ولم يشتكِ هذيل لمكتب حقوق الإنسان!
(وكل شيء بثمنه).
فضج المجلس بالضحك.
رحم الله الشعبي وهذيل وأبو الروس وعتيق، ورحمنا جميعًا.