أباطيل وأسمار

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أباطيل وأسمار

(1)

الجيش السوداني لا يتحدث كثيراً، فإذا تحدث قليلاً فعلينا الإنصات والتدبر.. والمليشيا اعترفت بفقدانها لأراضيها التي بقيت عندها على وشك السقوط، والجيش السوداني قال بصريح العبارة إنه سيسلم الشعب السوداني مدن دارفور وبواديها خالية من التمرد والجريمة. (نقطة سطر جديد) ومادام هناك ذكرى للجغرافيا فإن جبل مرة صاحب أنقى مياه في إفريقيا، وأحلى برتقال وطبيعة وألوان، ولهذا فإن دارفور وكردفان على وعد في منصتها المحررة أن يتسلقا قمة الجبل ويغنيان مع ود المكي: (بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت).
لقد أقسم الجيش السوداني على استعادة الأراضي التي دنستها عصابة دقلو، وإذا أقسم الكاكي الممتلئ بشبابنا صاحب الشهادة والتضحيات فصدقوه.

(2)

للمهاجرين إلى أمريكا والحالمين بها: بلاد العم سام يمكن أن تمنحك ما تعيش به بالحد الأدنى وتمنحك قلق الفواتير، فتصير الإنسان (الرقم).. وتقتلك في فاتورة (بيتزا). فقد قُتل بعض الشباب السودانيين في موت مريع ولأسباب تافهة.. وتلك بلاد لا يلوم أحدٌ أحداً في القتل، لكنهم يتلاومون في القصاص، وحدّ القصاص عندهم نظرية نسيان الضحية والشفقة على المجرم الماثل.
فإذا كان الموت في أمريكا من أجل حفنة من الدولارات، فإن الموت في السودان الآن قبضة من تراب الجنة المبارك.

(3)

سمع أهل مساوي صوت مولانا عبر الموبايل فأطربهم، فليت السودان كله يرى مولانا في حلة خوجلي في حالة تمثل وصيرورة حتى يطمئن أهل الوسط بأن بحري ليست أقل طمأنينة وسلامة من لندن والقاهرة. يا مولانا، السودان يحتاج لدراسة جدوى، وبعض نجاحها يحتاج لعودة الكبار أن نراك كفاحاً. فإني أخشى أن تبكي يوماً دار أب جلابية نحيباً على بلادنا وأحبابها لصوت العارف:

قلت يوماً لدار قوم تفانوا
أين سكانك العزاز علينا
فأجابت: هنا أقاموا قليلاً
ثم ساروا ولست أعلم أينا

(4)

(كسير التلج) ليس أن يقول الضعفاء كلمات مبالغة ومديحاً مفتوحاً في حق الأقوياء.. (كسير التلج) أن يصدق الأقوياء (بزعمهم) هذه الجمل والعبارات البلاستيكية. وهذا يصدق وينطبق على كثير من الهتيفة والأرزقية والمأجورين الذين يهتفون باسم حكومة الخيانة الأسفيرية هذه الأيام، مع أن حميدتي نفسه يعلم أن هذه الشرذمة تبتسم في وجهه وتلعنه في قلوبها حين تتأخر الدراهم الحرام.

(5)

ما زلت على معتقدي القديم بأن الرياضة في السودان تساقط عنها سوقها، اللعيبة تساقطوا، ومن بعدهم الإدارات، ومن بعدها القيم، ومن بعدها الحب.
وبقيت أعداد مقدّرة من الجماهير تجمعها الحماسة والغبينة والنعرات، فإذا استيقظت فإنها ستشجع في إفريقيا مازيمبي، وعالمياً برشلونة، وسودانياً فريق إستاك.

(6)

سيفوز آخر بمنصب رئيس الفيفا ولو بعد حين، وسط دهشة العرب والعجم والآسيويين وأمريكا الجنوبية.. وليس في الأمر عجب، فالحروب الصليبية والحروب الوثنية لم تتوقف بعد، حتى في (الدائرة المجنونة). والاتحاد الدولي لكرة القدم والأولمبياد أكبر قاعات لآلهة الفخار المطلية ذهباً، وأكبر صالات للقمار، وأكبر سوق نخاسة لاستخدام النساء في تسويق الإعلان والاحتقان. ومع هذا فإن الغافلين يزعمون أن الفرصة للعرب الغساسنة.

(7)

ما زال تساؤل محمد أحمد السوداني البسيط مطروحاً عندما أخطروه بأن السودان سوف ينتج يوماً ما خمسة ملايين برميل من النفط في اليوم.. فسرّح محمد أحمد ببصره طويلاً، وعاد بعد دهشة قائلاً: لكن يا جماعة، البترول دا حنلقى ليهو براميل وين؟
عزيزي محمد أحمد، إن الأمر أسوأ؛ فقد ذهب (اليوم الما)، وقد تعثر النفط وتعثرت البراميل.. (براميل السفن المقاس) وبراميل الحديد (الرخاص)! فكيف الخلاص؟ إذا علمنا أن أخبار الأمس القريب قد ذكرت بأن الشركات العاملة في حقل أبو جابرة وهجليج قد قررت الانسحاب بعد ضربات وسرقات المليشيا. ويبقى الحديد الغالي في الإنتاج رهينة مثل حاصدات الجزيرة، يُربط عليها البغات، شوارد الإبل، ومنهوبات النوق. ويالها من سقوط ويالها من مآلات.

(8)

أرسل لي أحد الأصدقاء طالباً مني إفادة كنت قد قرأتها لأصدق وصف لمحاربين على موعد. فأرسلت له كلمات أبو حمزة الثائر وقد استدعوا شبابه للفداء والمنازلة:
(استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشباب منهم قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء. فكم من عين في مناقير طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود).

(9)

كان الامتحان عملياً بقسم الموسيقى، فكتب الأستاذ على السبورة السوداء، كتبها المغربي وغنّاها رمضان ابن الشلك يوماً:

أنا ليتني أنتِ
في عالم الحس
أشتاق في صمت
وأحب في همس
وأعود لو عدت
للمعبد القدسي

أكتب علمياً ما نالته منك من إعجاب، أو ما نالته منك من انتقاد، أو قم بتأليف شيئاً أقرب لهذا..
لكني كلما استمعت لهذه الإلياذة المرفرفة ما بين الموردة وملكال، أصرخ غاضباً وحانقاً: ملعون أبو الإنجليز وقانون المناطق المقفولة.

(10)

قال الإمام في بساطة ذكية لصديقه الملحد: أنا وأنت ننظر إلى قصر قائم، فأرى بعد نظرة خبيرة أن مهندساً أقامه، وترى أنت أن خشبه وحديده وحجره وطلاءه قد انتظمت في مواضعها وتهيأت لساكنيها من تلقاء نفسها.

(11)

هذه الحكاية أرسلها لي الصديق ابن الدامر الموثق عبد العظيم سعيد، زاعماً أنها حكاية لا علاقة لها بالسياسة. ولن ندخل مع الرجل في جدال، ولكن من أرادها تعبيراً عن الراهن السياسي فلا مانع عندي، وكمال النصوص في جمال التفسير.
قال الشاهد: قيل إن جحا رأى يوماً قدراً جديداً وكبيراً عند جارته، فأضمر أن يستولي على القدر. فناداها ذات صباح من فوق الحائط: يا فلانة السلام عليكم كيف أصبحتم؟ ناوليني ذلك القدر، فعندي لحم كثير أريد أن أطبخه وسنأكل منه معاً لحماً ومرقاً. فناولتْه المسكينة القدر من فوق الحائط، وناولها بعد ساعة شيئاً يسيراً من اللحم والمرق. وفي صباح اليوم التالي ناداها جحا فرحاً وناولها من فوق الحائط قدراً صغيراً جداً، وقال لها: إن القدر قد أجنبت وهذا هو مولودها. ففرحت المرأة بذلك. وتكرر نفس المشهد بعد يومين، وناداها جحا من فوق الحائط وهو يحمل قدراً صغيراً ويبكي، فناولها القدر الصغير وقال لها: إن القدر الكبير الودود الولود قد أنجب هذا القدر الصغير، ولكن للأسف والحزن العميم فقد مات القدر الكبير ساعة الولادة. فقالت له في غضب وحيرة: وكيف يموت القدر يا جحا وهو إناء من حديد؟ فقال لها: تصدقينني في (النفاس) وتكذبينني في الموت؟
وكان الراحل الدكتور أبو القاسم قور، عليه الرحمة، خريج النقد من معهد الموسيقى والمسرح قبل أن يترك هذا المنصب لمنصة السلام، يقول في محاضراته للطلاب: الفرق بين جحا وصناع النكات الآخرين أن أغلب هؤلاء تأتيهم الطرفة بغتة، ولكن صديقنا جحا يصنعها فتخرج بموهبته الكبرى مطبوعة لا نظم فيها ولا افتعال. رحم الله أبا القاسم قور، الذي عمل معنا في ألوان وكتب مقاله الأول وأحتفظ به حتى رحيله المر، وكان يحكي عن صدام أهله المسيرية مع دينكا نقوك في الثمانينات، وقد جعل عنوانه: (المسيرية يرحلون سراً). لو زيد في عمر الرجل لكان مقاله الأخير: (إن بعض خونة وعملاء المسيرية يرحلون جهراً).