رسائل وبرقيات

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

رسائل وبرقيات

 

إلى محمد الحسن التعايشي

 

أيها الجالس فوق صفيح ساخن من العذابات والدماء والاغتصاب والمسروقات ودناءات العمالة، يكفيك سقوطاً أن السودانيين كلما تذكروا الخليفة الشهيد صاحوا بحزن: «يقطع نفس خيل القصائد». يا تعايشي، الاسم سالم.

 

إلى خالد عمر يوسف (سلك)

 

كل أهل الجزيرة، بل كل أهل السودان، يعلمون علم اليقين أن مدينة فداسي تعد من الحواضر المترعة جغرافياً وتاريخياً بالعلماء المحققين، والأدباء المبدعين، والأكاديميين، والتكنوقراط الذين ملأوا الداخل والخارج علماً وفقهاً وأدباً وتجارب.
منذ بزوغ نجم الراحل العالم الوطني الكبير محمد عبد الله الوالي، ومروراً بالدكتور الفقيه المجدد والكاتب الطاهر الدريري، حتى الوقوف على أعتاب مسجد فداسي العتيق بجمعته العارفة التي يقف على منبرها الفقيه والشاعر المغيرة رملي.
وقد أحصى أحد الموثقين هؤلاء الأفذاذ في هذه المدينة المتفردة، فوجد أن الخاصة منهم يتجاوز تعدادهم ألف عالم في شتى التخصصات. فإن أفتى واحد يا خالد من هؤلاء بأن العلمانية وفصل الدين عن الدولة لا يخرج صاحبه من الملة، فإننا ندعو كل أهل الجزيرة وأهل السودان أن يصبحوا أعضاء في حزبكم القزم حتى يصبح عملاقاً يشار إليه بالبنان. فإن لم يفعلوا، ولن يفعلوا، فإن عمرك – إذا استثنينا المقادير – يغريك بالأوبة والتوبة، وما ذلك على الله ببعيد.

 

إلى الدكتورة مريم الصادق المهدي

 

ليتكِ استمعتِ قبل سنوات لنصيحة المخلصين من الأصدقاء والمخالفين بأن تصبحي يومها وزيرة للصحة لا للخارجية (فالأمر يقدَّر على ما يُحسن). وليتكِ تعلمين أن المهدية تبدأ بالإسلام وتنتهي به، وأن الإمام المؤسس قد اختار الشعار العريق: «لا شيعة ولا طوائف ولا أحزاب، ديننا الإسلام ووطننا السودان».
فإن فاتك كل ذلك (والفات مات) فعليك أن تجمعي إخوانك وأخواتك ناصحة: اعلموا يا هؤلاء أن السيد الإمام الصادق قد انتقل، وأن الشخصيات والاجتهادات لا تورَّث مثل البيوت والأراضي وذهب الصديق المهرّب على الحدود بين إثيوبيا والسودان.

 

إلى الدكتور كامل الطيب إدريس

 

الجميع يتابعون زياراتك وتفقدك للمواقع والأشخاص والمدن والقرى، والجميع يستمعون لوعودك الفياضة، وبعض هذا يكفي. فإن لم يكن بين يدي هذه الزيارات ميزانية تكفي للوعود فعليك أن تقصر (فإن شفاءك الإقصار).
وقد أتينا بك مرحِّبين لتملأ فراغ الملف الخارجي، لأن ما تقوم به داخلياً يستطيعه الجميع، فهو لا يحتاج إلا إلى مشوار وحراس وطقّ حنك. تحدّث ولكن بما يطابق الفعل والإنجاز، فإن المرء مخبوء تحت لسانه كما يقول الإمام علي كرّم الله وجهه ورضي عنه.

 

إلى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان

أنت أدرى بأن أي دولة محترمة متميزة ومتطلعة لها جيشان: جيش يحارب بالإرادة الصلبة والعلم والبندقية والرجال، وجيش آخر يتحالف مع الأول، جيش القوى الناعمة التي تدير العالم الآن، وأولها جيش الإعلام المقروء والمشاهد والمسموع.
ونحن في هذه المرحلة الحرجة ليس لنا سيف المعز ولا ذهبه، ولكن كل ذلك لا يمنعنا من المواجهة والابتدار. فاصنع من اليوم لك إعلاماً يُخشى، وفكرة تُحترم، وقنوات تُشاهد، وإذاعات تُبهر، وكتاباً يتداوله الناس.
فكل دولة، ولو قوي ساعدها على المصادمة، فإنها حتماً ستسقط إن لم تقوَ أناملها على الكتابة. ومن بشريات الكتاب المبين الهادي أنه ابتدأ التنزيل بفعل الأمر المعرفي والعرفاني: «اقرأ».
إلى مهدي إبراهيم
السياسي والداعية والمجاهد، المفصح والفصيح، ما زال أهل مدينة بحري العريقة يذكرون ندوة للراحل الشيخ يس عمر الإمام بميدان عقرب، وكان مرشحاً لجبهة الميثاق الإسلامي عام 1966. وكان منافساً له في ذات الدائرة الشيخ علي عبد الرحمن عن حزب الشعب الديمقراطي (حزب الختمية)، والأستاذ نصر الدين السيد عن الحزب الوطني الاتحادي (حزب الأزهري).
قال الأستاذ يس في تلك الندوة، وكان يومها في الثلاثين من عمره: «نحن لم نأتِ لهذه الدائرة لنفوز، فهي دائرة محتكرة لبيت المراغنة والاتحاديين، ولكننا أتينا لكي نبشّر بأفكارنا، ولكي نقول لكم جهراً أن المستقبل لهذا الدين. وبعد ربع قرن سيأتي من يفوز بهذه الدائرة من شبابنا، فالحق يأتي على تأنٍ ولسنا على عجلة من أمرنا».
وبعد ربع قرن، تذكر أهل بحري تلك الندوة وتلك العبارة، حين فاز في هذه الدائرة الشعبية المستنيرة الأستاذ مهدي إبراهيم. وكان قبلها قد ترأس قائمة الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم، وقاتل في الجزيرة أبا بجانب الشهيدين محمد صالح عمر والإمام الهادي، ثم أصبح وزيراً للخارجية، وألقى آلاف المحاضرات، وخلّف كتابات وأسراراً ومواقف.
فهل يا ترى يغريك يا أستاذ مهدي كل هذا التاريخ العريض بأن تكتب لهذا الجيل شهادتك على العصر؟ هذا رجاء من يعرف بعض مأثرك، بينما بقية الملايين ينتظرون البقية.

 

إلى أبناء الجزيرة الخضراء (قلب السودان النابض)

 

كل أهل السودان شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً يعلمون أنكم أهل الوسطية والاعتدال، وأهل العلم والعلماء، والتكنوقراط، والأثرياء الفضلاء، والنساء المستورات العاملات. ولكم الأرض والماء تحتها وفوقها، فجاء دوركم لكي تصبحوا الدولة/الولاية والولاية/الدولة. وعلى أكتافكم سوف يصعد السودان الجديد، وعلى أكنافكم الموطأة سوف يتعلم باقي السودان البعيد احترام الإنسان لأخيه الإنسان، والتقيد بالدين والقانون، والسَّعة والاعتدال.
إلى شباب كردفان
أنتم الذين تقفون على حواف الانتظار والحيرة، بينما عصابة الشتات تمارس في مدنكم وقراكم القتل والسلب والاغتصاب. فإن كان هذا الانتظار المرّ للتدبر أو الطمع أو رجاء الحياة المهيضة الجناح، فكل هذه أسباب قد فاتت زمانها ومكانها. والذي يتأبّى عن حق المكارم فالموت بالغه ولو بعد حين. وقد صدق العارف حين قال:
سرورك ما بتم عاقباهو ديمة الفجعة
وظاهرك لينا سُكَّر إلا طعمك وجعة
كم طفشتي مرتاح وقلبو ما بي النجعة
روحو تشابي وانت قطعت خط الرجعة

 

إلى مفتي الديار الغامض
المشتري في نيالا الجريحة

 

ذلك الذي أخفى وجهه عند أداء القسم لحميدتي والحلو، والناس يتساءلون: تُرى على أي كتاب يقسم السفاح العلماني والعميل الملحد؟
وبعد انتشار الصورة الأثِنة على مواقع التمزق والشتات والضلالة، أطلق الفنجري هتافه الشعبي:

قبال الحلو كان الشرف مسلاتي
وقبال الشتات ما أتنبر البعاتي
باكر بنحدر سيل كردفان العاتي
وتحرر تلس ويكبر الفلاتي