
قصة وحكاية من دفاتر الوضاءة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
قصة وحكاية من دفاتر الوضاءة
*حكاية من جامع الحارة
دنا الرجل الأغبش التلقائي البسيط من الرجل الصالح، الفتى معلم القرآن وإمام مسجد الحارة، وقال له متسائلاً:
– أراك في كل صلاة، وفي كل خطبة، وفي كل درس، تتحدث بثقة كاملة وطلاقة ورجاء، كأنك لا تشاهد دماء أهلنا في دارفور وكردفان وغزة، كأنك لا ترى القتلى والجرحى واليتامى والأرامل والجوعى والمعذبين في الأرض الذين يملأون عراء الله ويسدون الأفق. فبأي شعار تلتزم وتُصابر ونحن نتقلب على الحزن والضيم ليل نهار؟
صمت الرجل الصالح برهة ثم قال: يا أخي لا أحزنُ على هذه القوافل التي تتسارع صوب الجنة، ولا على الجرحى ولا الأرامل الذين تأبوا على العدوان ورفضوا أن يرفعوا الراية البيضاء، لا في السودان ولا في لبنان ولا في سوريا ولا في اليمن ولا في الضفة الغربية ولا في غزة. هذه الراية البيضاء التي يترقبها الطغاة في تحالف الصليبيين والصهاينة، وإن شاء الله لم ترتفع ولن ترتفع.
أما شعاري فهو في طمأنينة الآية الكريمة، الشفاءُ للحزانى الذين يبتسمون ظاهراً وتتمزق قلوبهم للمذلة والإهانة التي تتعرض لها خير أمة أُخرجت للناس، حينما لم يصبح في عالم البشر بصيص أمل يربط على العقول والأفئدة والقلوب والأرواح الحائرات، جاء قول جبار السماوات والأرض:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110] صدق الله العظيم.
خرج الرجل المتسائل باكياً، وأخفى الشيخ الصالح دمعاته الحَرّى عن تلاميذ القرآن، وهنالك احتفى الزمان والمكان بأذان العشاء:
“الله أكبر… الله أكبر.”
*مسلمة صاحب اللقبة والمجاهد صاحب النقب
إني لا أخفي أنني مثل شوقي ونزار قباني والكثير من كتاب السيرة، لي حب خاص بتاريخ الدولة الأموية الفتية، لا يفوقه إلا حبي للخلافة الراشدة. ويكفي أنها أنجبت معاوية بن أبي سفيان، السياسي المتميز على مر تاريخ البشرية، وأنجبت عبد الملك بن مروان، العالم الفقيه المجاهد والمؤسس. ويكفيه فخراً أنه والد مسلمة القائد الذي دك حصون الروم فتحاً وانتصاراً، ووالد فاطمة بنت عبد الملك زوجة الخليفة السادس الراشد عمر بن عبد العزيز.
أما الخليفة الخامس الشهيد الحسن بن علي بن أبي طالب، فيبدو أن الحديث الكثيف عن الفتنة الكبرى دون الاستفادة من دروسها قد ضيّع علينا الكثير في معرفة هذه الدولة التي نشرت الإسلام في نصف الكرة الأرضية. وهذه دعوة لإعادة قراءة هذه الدولة العظيمة المؤثرة، ليس في تاريخ المسلمين فحسب، لكنها المؤثرة في مدى تاريخ البشرية.
وليست هذه مرافعة بيضاء لتبرئتها من الأخطاء والخطايا، فكل تجربة بشرية مليئة بالخروق والتجاوزات، والخلافة الأموية ليست استثناءً من ذلك. ولكن الذي يبقى هو الأخذ بالعبر والتدبر والتماثل حتى لا يصبح التاريخ متحفاً للزيارة والحكايا والبحث عن الأبطال والخونة.
لقد استوقفتني هذه القصة المروية عن القائد الشجاع الملتزم مسلمة بن عبد الملك بن مروان مع الجندي المجاهد المقاتل (صاحب النقب). والقصة مليئة بالمفاجآت والمؤثرات والآثار والاعتبار، وأترك لفطنة القارئ استخراج هذه الحكم والمواعظ المفضية للتطهر والاقتداء، دون أن أعدد ما خطر في بالي وطاف بمخيلتي.
يقول الشاهد – وللقصة روايات كثيرة لكني اخترت أيسرها –: كان مسلمة بن عبد الملك أميرًا على جيش من جيوش الدولة الأموية التي قدّمت ما قدمت في نصرة العروبة وتوطيد الدولة العربية المسلمة. وكان مسلمة يُحاصر بجيشه حصنًا من حصون الأعداء، واستعصى هذا الحصن على الجيش فلم يستطع له فتحًا ولا اقتحامًا.
فحرّض الأمير مسلمة جنده على التضحية والإقدام حتى يحدث بعضهم في ذلك الحصن ثغرة أو نقبًا. فتقدّم من وسط الجيش جندي مُلثّم غير معروف، وقذف بنفسه إلى جهة الحصن، غير مبالٍ بسهام الأعداء ولا خائف من الموت، حتى أحدث فيه نقبًا كان سببًا في سقوط الحصن ودخول الجيش فيه.
فرح مسلمة بذلك كثيرًا، ونادى في وسط الجيش: أين صاحب النقب؟ فلم يُجبه أحد.
فقال مسلمة: إني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي، فعزمت عليه (أي حلفت) إلا جاء. وكان يريد أن يخصه بجزء من الغنائم ويمجده.
وبعد فترة جاء الرجل إلى حاجب مسلمة، وقال له: استأذن لي على الأمير.
فقال له الحاجب: أأنت صاحب النقب؟ فأجاب: أنا أخبركم عنه.
واستأذن له الحاجب على الأمير، فلما صار بين يديه قال: إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثة شروط، هي: ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة، وألا تسألوه مَنْ هو، وألا تأمروا له بشيء.
قال مسلمة: فذلك له.
فقال الرجل في استحياء: أنا صاحب النقب! ثم ولى مسرعًا.
فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها قائلاً:
“اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة!”
وكأن هذا الرجل المحتسب المجاهد المتستر، يتذكر خير التذكر أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر (أي ليرتفع ذكره)، والرجل يقاتل ليُرى مكانه (أي ليشتهر بالشجاعة). فمن في سبيل الله؟
فأجاب الرسول ﷺ: “مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله.”