وللهجرة والنزوح والرحيل حكايات

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

وللهجرة والنزوح والرحيل حكايات

 

في خاطري وفي الذاكرة وفي العقل والقلب والروح، فرادى أو تحالف في المشاعر، أربع حكايات عن الموت الغيابي والرحيل الأبدي. يقول العارفون: إنه لا فرار من الموت، لكن دائمًا استقبله ولا تستدبره.
الحكاية الأولى:
قيل في الأثر إن مما أكرم الله به النبي والملك سليمان عليه السلام أن الموت كان يأتي لقومه في صورة رجل، وكانوا لا يعلمون. فإن مجيئه حتى ولو كان ماثلًا فإنه “يشرف بقتت” أحد الحضور.
في مجلس سيدنا سليمان لاحظ أحدهم أن هناك رجلًا منذ أن جلس ظل يحدق فيه دون أن يغيب بصره عنه ولو للحظة. ذهب شمالًا ويمينًا ومن وراء المجلس، لكن ذلك الرجل لم يكف عن نظرته الغريبة والمخترقة. فدخله الزعر، فدنا من سيدنا سليمان وطلب منه أن يأمر الريح بأن تنقله من الشام إلى الهند، فتم الأمر في لحظات. وحين هبط أرض الهند وجد الرجل ذاته يحدق فيه، فقد كان في انتظاره على أحر من الجمر. فقال له منفعلاً وغاضبًا: من أنت يا رجل؟ وماذا تريد مني؟ فقال الرجل صاحب النظرات المحاصرة: أنا ملك الموت، وقد أمرني الخالق تعالى أن أقبض روحك في الهند، وكنت متعجبًا: كيف أقبض روحك وأنت في الشام؟ ولكن جلت قدرته. ففي أي زمان ومكان تذهبون فإن الموت يدرككم. فقبض روحه، وصارت القصة على لسان سليمان من حكايات العبرة والتدبر، إذ أن كل نفس ذائقة الموت، وقد يأتيك الموت من ذات الموضع الذي ظننت أن منه التوقي والشفاء والحماية.

الحكاية الثانية:

قبل سنوات سافر وفد وزاري من دولة عربية نفطية إلى بعض العواصم في آسيا لتمتين الروابط بين تلك الدولة وتلك الشعوب والمؤسسات المتطابقة في المهام والأداء. وعندما أكمل الوفد رحلته بنجاح ذهب إلى المطار بتلك الدولة الآسيوية فوجد أن الطائرة قد غادرت قبل قدومهم بدقائق. فملأوا صالة كبار الزوار ضجيجًا وغضبًا واحتجاجًا، وقد أوقفوا مدير المطار كما يقول السودانيون (بيد يدي الله). وقال كبيرهم: ألم يكن في استطاعتك أن توقف لنا الطائرة لبعض دقائق وأنت تعلم أننا قد أنهينا زيارتنا وخرجنا من الفندق بعد أن أكملنا إجراءات المغادرة، وأن تعلم أن السبب الحقيقي في تأخيرنا هو شوارعكم المكتظة بالمارة والسيارات ليل نهار؟
اعتذر مدير المطار بطريقة مهذبة حتى سكن غضب السيد الوزير. وأثناء المناقشة همس أحد أعضاء الوفد في أذن السيد الوزير قائلًا: ألا تنظر إلى العاجل في النشرة يا سيد الوزير؟ فالتفت الجميع للخبر في العاجل: أن الطائرة التي كان يجب أن يكونوا على متنها قد سقطت في المحيط ولم ينجُ أحد. فخروا لله سجدًا شاكرين، لكنهم تذكروا أن الموت أيضًا سيستقبلهم يومًا ما زُمرًا أو فرادى.

 

الحكاية الثالثة:

 

من القصص القرآني في أمر اليهود أنهم عندما سمعوا بمقدم جيش العماليق صوبهم في نواحي القدس، هربوا جميعًا وتركوا المدينة خاوية على عروشها، وكانوا حينها ألوفًا. ويقول أهل اللغة إن الألوف تُطلق على الذين هم في عداد العشرة آلاف أو دونها وما فوقها، مهما كان العدد فيطلق عليه ألوف. وقيل إن اليهود الهاربين كانوا أكثر من 40 ألف هارب حذر الموت، حيث تقول الآية الشريفة:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
والتفسير الأحق للآية يقول بأن الله سبحانه وتعالى، عقابًا لهم على الفرار والتولي، قد أماتهم جميعًا في العراء. فلما حضر أحد أنبياء بني إسرائيل فوجدهم على هذه الحالة خر لله ساجدًا وباكيًا وعابدًا، ودعا سائلاً الله أن يعيدهم للحياة حتى يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا ويعلموا أن الموت الذي يفرون منه قادم، ولو اختبأوا منه في حصون مشيدة. وقد استجاب الله تعالى لدعوة النبي الكريمة حتى يتوبوا ويثوبوا إلى الله ويواجهوا عدوهم، فالموت نوعه واحد وإن اختلف فيه المقدار.
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتأمل الملايين من أهل الخرطوم، والملايين من أهل النيل الأزرق والجزيرة والنيل الأبيض والكثير من أصقاع وبنادر دارفور وكردفان وبعض أصقاع الشمال القريب والبعيد، حيث هرب الناس لأسباب مختلفات ومرافعات: فبعضهم هرب خوفًا على أعراضه، وبعضهم هرب خوفًا على أغراضه، وبعضهم خوفًا من التنكيل والتقتيل. هربوا جميعًا بعد أن تحالفوا مع القانون والاعتدال والمدنية الكذوبة، فلم يكن في ميزانه حسابهم رفيق أو عدو. هربوا فقد اكتشفوا أنهم بلا جيش وبلا شرطة وبلا شباب يسدون المنافذ والمداخل والمخارج، بل إن كل تلك الملايين اكتشفت أنها لا تملك عصا لقرع الكلاب، والذي لا يملك عصا الكلاب فبالطبع لا يملك الكلاش والمدفع لمواجهة الوحوش. إنها الغفلة التي أفضت إلى الجبن والخوف والزعر والهروب حذر الموت الذي لم يكن في دراسات الجدوى ولا الحسبان.
فهل يا ترى سوف تستفيد هذه الألوف الهاربة من الدرس والاستشراف والاستعداد؟ أم أننا قوم خُلقنا للمشافهة والنسيان (وعلوق الشدة)، وفوق ذلك خلقنا للاعتماد على عدونا حماية ونصيرًا؟! وقد فتكت بنا الخلافات والاستهانة بالوحدة وحبل الاعتصام والاستخفاف بالعقيدة والإيمان ورسائل القرآن ونصائح المعصوم.
ويطل الشعار الأسمى والمقدس آيات تمتد من أرقين حتى الرنك، ومن محمد قول حتى الجنينة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
صدق الله العظيم