رسائل صغيرة بلا خارطة ولا عنوان

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

رسائل صغيرة بلا خارطة ولا عنوان

الحَرُّ والكتّاحة وانقباض الأنفس والخوف من القادم.. طوبى للذين يقيمون مبرّدات المياه باعتبارها فاكهة هذا الشعب «المحروق الحشا». فإذا أضفنا إليها بليلة المباشر وابتسامة الرضا المجانية فإن سودان البشريات سيدق أبواب التاريخ بعنف حتى يفتح الخزنة والمالكون.
بعض الجُرأة وفرض الهيكلة أن ندعو لإقامة الولايات المتحدة السودانية بلا انقسام ولكن بشعرة معاوية تلك التي لا تنقطع أبداً بحجة: إذا شدّها المركز أرخت الولاية طرفها، وإن شدّتها الولاية أرخى المركز الطرف الآخر. هي عبارة تصلح بالأمس واليوم وغداً ولكن بعد أن تضع الحرب أوزارها.
كل الأشياء والمشروعات تنمو تحت جرف هارٍ وأرض تصلح للدفن، لا صلابة فيها ولا تأسيس، يغزوها أصحاب المصالح الذين يستغلون رذيلة الإدارة والمال والتنفيذ في يد واحدة.. إننا نحلم ببلاد في هذا العهد الجديد نفصل فيه ما بين الوزير والدير ورئيس الحسابات ومدير المشتروات، فإذا كانوا أصحاب كفاءات وأمناء فلا ضير من الاجتماع الأسبوعي للتحقيق والتنسيق والنقد الذاتي. وعندما ينهار المشروع في أول الاختبار، نتبارى كلّنا في التبرير أو تقليل المصاب، لأن المولى لطف، وإلا لكانت الكارثة أكبر بكثير.. لهف نفسي على أصحاب النصيحة والخبرة والكفاءات، فهم دائماً في مؤخرة الصفوف تغطيهم لافتة.. «نحنا قبيل شن قلنا».
لو كنتُ والياً لولاية تعاني مثل هذه وتلك لرفعتُ عن الناس المكوس والضرائب حتى يأتوا مطالبين بالمساهمة في دفع التزاماتهم اختياراً؛ فأنْ يظلّ معنا الناس بالرضا بالملايين خير من أن يغادرونا بالغضب ويبقى الوادي بلا حُبٍّ «بضم الحاء» ولا حَبّ «بفتح الحاء». ولوزعت على الجميع كتاباً وخبزاً وجرأة تشابه أنفاس المسدس..
الأخ سلفاكير رئيس الجنوب.. إن الثورات المثمرة هي التي تصنع لها أجنحة للرفيف، وإن الثورة المجدبة هي التي تصنع لها أظافر للنزيف.. فأرجو أن يكون في اعتبار دهاقنة تمزيق السودان هذه المقولة. واعلم أن عمرك وعمر الجنوب سيكون قصيراً إذا تماديت في دعم الغزاة واللصوص والمارقين، فنحن لا نحتاج أن نذكرك أن السودان الكبير لحمه مُرّ، ترى من يتبرع من الوحدويين القدامى بأن يترجمها للدنكاوي؟
لو جعلنا أداء مهمة النيابة والقضاء والشورى بلا أجر وبلا امتيازات لامتلأت خزائن الشعب بالفوائض ولتحسّنت الخدمات ولحوّلنا الجهاز السياسي العاطل إلى قطاع منتج، ولصار المجتمع المدني كبيراً، ولصارت الحكومة صغيرة وفاعلة، بشرط أن نجعل لكل مؤسسة وهيئة حكومية مزرعة وحديقة ونبع ماء، منها يبيعون ويشترون ويستظلون، فإن الفضيلة تبدأ بغرس الفسيلة.
سمعت في ليلة عُرسٍ كان لابد أن أرتادها لصلة القرابة بالعريس مغنّياً يرفع عقيرته بالفحيح، ينفع «رُباطاً»، صاحب طلّةٍ موحشةٍ، له ضجيج أجش وآلة أورغن صدئة ومايكروفون له وحيح. ومما زاد من غيظنا أن عريف الحفل قدّم لنا هذا المقلِّد المفروض الدميم بكلماتٍ أقرب إلى النسيب في «عبد الوهاب» أيام شبابه حين كان يقدم بالأرجوزة الشهيرة:
أضحى يخزُّ لوجهِهِ قمرُ الدُجى
وغداً يلين لحُسنِهِ الجلمودُ
فإذا بدا فكأنّما هو يوسفٌ
وإذا شدا فكأنَّهُ داوودُ
أين بالله عليكم تلك الأعراس الوسيمة التي يبتدرها الكابلي بـ«ضنين الوعد» ويختتمها بادي برائعة الأمي «أنت حكمة ولا أيه ولا إنسان».
قال ظريف المدينة صاحب المعالجات الوسيطة.. لا يضير الشمولية الزائلة ولا الديمقراطية الزائفة لو أجّل الطب الشعبي عمرها بضعَ أشهرٍ مما تحسبون. وكلما وقف على بابنا دكتاتور يدعى السماحة وحزبي يدعى الفلاحة تذكرت موقف ذلك الرجل العفيف من (الشحاد الملحاح)، وقد اعتذر له الرجل الطيب بلطف، ولكن ظل يلاحقه بل يعرض به قائلاً: أين ذهب الذين كانوا ينفقون ولا تعلم يسارهم ما فعلت يمينهم؟ فرد عليه الرجل العفيف بابتسامة وهو يعدو نحو بص الجريف: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافاً.
أوراق ملونة وهتافات وميزانيات واستقبالات.. هذا هو الطاقم الجديد للترويج، ولكن تضاءل كادر العمل التحتي وأهل الصُفّة والذين يحتملون الناس ويدخلون بيوت المساكين والمخالفين.. عمر الحملات الشكلانية يوم، وعمر الحملات الجوانية قرنٌ بحاله. لهف نفسي على بزنس اللافتات والنيون المضيء، فلم تعد الحوائط بعد النكبة تحتمل طوابيرهم وفواتيرهم ومحاذيرهم.
ظنّ المسكين أن مقدمات الزواج السعيد شقّة وسيارة وعروسة على شاكلة (عروسة القنوات) المصنوع المصفوع.. لم يكن بينهم فكرةٌ ولا كتاب، وحين أُنهك الجسد وتلاشى الكلام وتفرّق الأصدقاء وصار الزمان الرمادي يحاصر الأشياء.. بَاخَت كل البواعث ونضب الكلام.. وتمّ الطلاق الذي ظلّوا يؤجلونه لعامٍ كامل.
هاتفني أحد القراء يوماً وقال لي إنني أحبّ زوجتي جداً وأغار عليها كما أنني أحب الخمر، وقد حاولت مراراً تركها وترك شُلّتها فلم تستطع نفسي الأمارة بالسوء، إلا بعد أن قرأت يوماً في الأسمار اختيارك شعراً:
وكلُّ أناسٍ يحفظون حريمهم
وليس لأصحابِ النبيذِ حريمُ
فإن قلتُ هذا لم أقُلْ عن جهالةٍ
ولكنّني بالفاسقين عليمُ
ومنذ ذلك اليوم نفضت يدي وفمي عن أمّ الكبائر، ولزمت (أمّ الأكابر).
في كلِّ يومٍ عندما كنّا طلاباً صغاراً نحفظ على يد أستاذ اللغة العربية عشر آيات من القرآن وخمسة أحاديث نبوية وأبيات شعر منتقاة. والآن نطالب الوزارة أن تحيل هذا الالتزام للمعلم نفسه حتى لا يضطر الجيل القادم أن يتحدث «عربي السوق العربي» أو «عربي جوبا».
كلما قطعت الجزيرة شرقاً غرباً أو جنوباً أبرقت أحبائي: (كلما أبصرت ربعاً خالياً فاضت دموعي).
ومن هدايانا لأهل الزراعة والبساتين ببلادنا أن السماء إذا لم تبكِ مقلتُها لم تضحكِ الأرضُ عن شيءٍ من الزهرِ، والأرض لا تنجلي أنوارُها أبداً إلا إذا رمَدَتْ من شدة المطرِ.
ومما بقي في الذاكرة من الشعر الحر وهو ينتقد الرتابة بين الأزواج مقولة الصرصور الذي انتبه لزوجين كل واحد منهما أعطى الآخر قفاه وهو يطالع كتابات الواتساب، قال الصرصور وقد اختبأ من وراء ستارة غرفة النوم وهو يحدق هامساً نحو الزوجين: (قبل عشرين عاماً لم أكن هنا). يا معشر النساء والرجال، إن لم تستطيعوا الكلام فنظفوا ولو مرة في الشهر (قماشة الستائر)، طرداً للملل وطرداً للصراصير.