حكاية من الزمن النبيل

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

حكاية من الزمن النبيل

 

* قال لي: إن أبي كان مزارعاً بسيطاً، ولكنه كان فقيهاً كبيراً.. عالماً وعاملاً.. وقد بدأنا معه مرة زراعة حديقته (الجنينة) التي تقع على النيل مباشرة، وعندما سوينا الأرض وأصبحنا على مشارف الزراعة، وقبل أن نبدأ بذر البذور، أتانا مهرولاً وصائحاً وأمرنا بأن نوقف العملية، صارخاً: أنه لا فلاح مع معصية وإن صغرت. فقلنا له: سبحان الله يا أبي، وأين المعصية ونحن لم نفعل أكثر من تهيئة أرضنا ونيتنا وأيادينا على بذر البذور؟ فقال: لقد رأيت أن ما أخرجتموه من باقي الحشائش والعقابيل والتراب قد دخل على (جنينة) جارنا الغائب، فإذا بذرنا دون أن نزيل عنه أوضارنا هذه فإن الله لن يكتب لنا نجاحاً ولا لزرعنا. واعتبرناه أمراً، وفعلاً ألقينا من على ظهورنا آلات الزرع اليدوية وخرجنا وشاهدنا ما فعلنا في حق جارنا دون قصد أو نية ضرر مسبق. ولما رأينا التخريب عياناً اقتنعنا بنصيحة الوالد، فعدنا إلى أدواتنا وحملناها، وأصبحنا نعمل يوماً كاملاً حتى نظفنا حديقة جارنا تماماً وسويناها.. بل إنها أضحت أكثر نظافة من أرضنا. وكان أبي، رغم عمره، يعمل معنا في إخلاص ودأب، حتى إذا ما أكمل عمله صلى بنا الظهر وجلس متهللاً وقال: الآن الآن استيقنت أنكم سترزقون رزقاً حلالاً طيباً، كثر أو قل.
* وفي لحظة صفاء حكى لنا قصة النبي سليمان الذي كانت الريح تسير به أنى شاء، وتقطع به الفيافي والقفار والبلدان، وهو في راحة وسكون ودعة. وفي إحدى هذه الرحلات، والريح تحمله بعيداً بعيداً، وكان يومها يلبس قميصاً جديداً زاهياً (مثل أولاد نمرة تنين قبل النكبة)، لم يتدبر التواضع، فنظر إلى قميصه نظرة زهو فكأنه أعجبه، وتفاعلت النفس مع الهوى والاستعلاء الإنساني.. هنا وضعته الريح أرضاً ولم تتحرك، وتعطل كل شيء في الرحلة والراحلة. فقلق جداً الملك الرسول، وقال للريح في شدة وحزم: لمَ فعلت هذا ولم آمرك ولم أصدر أمراً بذلك؟ قالت: يا سليمان إنما نطيعك إذا أطعت الله. (لاحظ يا سليمان هنا مجردة). فظل سليمان يتطلع ويراجع ما فعله في يومه من قول وعمل، فلم يجد غير أنه نظر إلى قميصه الجديد نظرة إعجاب وزهو وبعض كبرياء.. وفي هذه وعندها وعلى صغرها جاءت النصيحة: (إنما نطيعك إذا أطعت الله).
عزيزي القارئ.. أليس هذا درساً نفيد منه ونستفيد في السودان؟
بالله عليكم.. كم مشروع قد توقف، وكم مزرعة أصابها المحل، وكم من مستشفى أغلق بالطبلة والضبة، وقذفنا بالمفتاح إلى حيث لا يعرف أحد، وكم من مدينة سدت أبوابها وهاجرت، وكم من منطقة صناعية جفّت أو جُففت، وكم مطر تمنع، وكم قرض ميسّر، وكم اتفاقية ذهبت مع الريح، وكم من فيلق هزم، وكم من حارة نُهبت، وكم من عفيفة اغتُصبت؟
حدث كل هذا وتوقفت كل تلك، وأدنى ما فيها أننا نظرنا مائة مرة لقميصنا الجديد ولم نفكر يوماً أن الزهو به معصية، وأن كبرياء النفس الكاذبة يمكن أن يعطل كل المشروعات وكل المنجزات في العام والخاص أو يمحقها، حتى وإن كانت رحلة استراتيجية لسيدنا سليمان الملك النبي الكريم. وإن من حسن الأقضية والنهايات أن نتفقد القميص البالي قبل أن نتفقد القميص الجديد، الذي يدعونا في لحظات البطر أن ننسى أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يرتق ثوبه ويخصف نعله، وحين سُئل أن يُمنح جبال الوادي ذهباً، وأن يعيش مدى الدهر وقبل القيامة بدقائق إكراماً لخير رسول ونبي ساد في الأرض بعمله وخلقه وفضائله، فكانت إجابته المدهشة أنه يريد أن يموت كما يموت الناس، ويعيش مع المساكين ويبعث معهم. هذه أمة حين أنتجت وأثمرت واكتفت تواضعت بالزهد رغم الخير والرزق الماطر، ويومها لم يجد عمر بن عبد العزيز الخليفة السادس فقيراً ينفق عليه الزكاة.