إستراحة على ضفاف الجراح

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

إستراحة على ضفاف الجراح

جدلية الكفاف والعفاف

يقول الثقاة من العلماء إن هنالك حكم تبقى على مر الأيام والليالي، ولكنها تظل جديرة بالتأمل في لحظات الضيق الخاص والعام مثلما يعيش أهل السودان هذه الأيام وهي ما تسمى بجدلية الكفاف والعفاف.
قال الحكماء: (إذا أراد الله بعبد خيراً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وعضده باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف. وإذا أراد به شراً حبب إليه المال، وبسط منه الآمال، وشغله بدنياه، ووكله إلى هواه، فركب الفساد، وظلم العباد)

لافتات

كنا في أيام الطلب والتلمذة نختار بعض الوصايا الصالحات ونحولها إلى شعارات لتعلق سراً أو جهراً على أبواب المؤسسات فقد كنا نقترح أن نعلق على أبواب مدارس البنات الثانوية (إذا ذهب الحياء حل البلاء) وعلى باب الغرفة التجارية (البخيل حارس نعمته، وخازن لورثته) وعلى باب الجامعات (علم لا ينفع كدواءٍ لا ينجع) وعلى دار باب الافتاء (من جهل المرء أن يعصي ربه في طاعة هواه، ويهين نفسه في إكرام دنياه) وعلى مداخل الكباري والجسور والمطارات (أيام الدهر ثلاثة: يوم مضى لا يعود إليك، ويوم أنت فيه لا يدوم عليك، ويوم مستقبل لا تدري ما حاله ولا تعرف من أهله).
وعلى أبواب دور الرياضة والاستادات (من كثُر ابتهاجه بالمواهب، اشتد انزعاجه للمصائب) وعلى أبواب العيادات والمشافي (لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة، ومن عمرك في فسحة) وعلى أبواب المنابر والمنتديات (إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن، ويحرك من عدوك ما سكن).

تعريفات

من دقائق المعاني ما قرأته في التفرقة ما بين الجود والسخاء والايثار، فمن أعطى البعض وأمسك البعض، فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، ومن آثر غيره بالحاضر، وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب إيثار.

 

الإيثار عند سكرات الموت

ومن أكثر القصص البليغة في الايثار والحزن ما قرأته عن حذيفة العدوي أنه قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شي من الماء، وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فاذا أنا به بين القتلى. فقلت له: أسقيك. فأشار إليّ أن نعم. فسمع برجل يقول آه، فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق واسقه، فاذا هو هشام بن العاص. قلت: أسقيك، فأشار إليّ أن نعم. فسمع آخر يقول آه. فأشار إليّ أن انطلق اليه. فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.

 

طلحة وما أدراك ما طلحة

يخطئ الناس حين يخلطون ما بين الفقر والزهد فأفضل الزهاد هم الذين يجيدون الكسب، ويعرفون كيف يصنعون الثروات، ولكن اذا رأيت حالهم في المظهر والجوهر ظننتهم من عامة المتعففين وغمار المساكين. وسيد هؤلاء الشهيد المبشر بالجنة صاحب رسول الله طلحة بن عبيد الله فقد كان من أكرم العرب في الاسلام حين جاء اليه رجل فسأله برحم بينه وبينه. فقال: هذا حائطي (حديقة) بمكان كذا وكذا، وقد أعطيت فيه مائة ألف درهم يراح إليّ بالمال العشية، فإن شئت فالمال، وإن شئت فالحائط. وقال زياد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد الله فرق مائة ألف في مجلس، وإنه ليخيط إزاره بيده.
عزيزي القارئ: أرجو أن تعيد قراءة عبارة رأيت طلحة بن عبيد الله فرق مائة ألف في مجلس، وإنه ليخيط إزاره بيده. إني لا أدعوكم أن تفعلوا مثله، ولكن ادعوكم لتمثُل المعاني، واستبطان القيم.

 

دريئة من عطب وإجابةٌ من ذهب

 

إن أفضل المنفقين هم الذين يتحسسون أحوال الناس فيبذلون مسبقاً حتى يحفظوا ماء الوجه ومذلة السؤال ومن الاجابات المحيطة بذلك حين سأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الكرم، فقال: هو التبرع بالمعروف، قبل السؤال، والرأفة بالسائل مع البذل.

دموع الأحرار

ليس الكرم في الانفاق فقط ولكنه أيضا في نداوة النفس وفي الحزن المستتر ومن الحكايات الدامعات في هذا المعنى. قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب فخرج إليه وسأله عن حاجته. فقال: عليّ دين كذا وكذا. فدخل الدار وأخرج إليه ما كان عليه، ثم دخل الدار باكياً، فقالت له زوجته: هلا تعللت حيث شقت عليك الإجابة، فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله، حتى احتاج إلى أن يسألني.

أولاد العز

كان زميلنا يقول إذا تخرجت وتوظفت واكتسبت مالا ووجدت إمرأةً صالحة ورزقت غلاما سأسميه عبدالله بن أبي بكر وكان يحكي قصة إنفاق عبدالله التي لا تجلب النفقة فقط، ولكنها أيضا تجلب الخطاب، وكان يسمي الحكاية ( يوم الكوز) ثم يحكي بطريقته العجيبة في الأداء: (يروى أن عبدالله بن ابي بكر كان من أجود الأجواد، عطش يوما في طريقه فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت خلف الباب وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة عزب مات زوجي منذ أيام فشرب عبدالله الماء، وقال: يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم، فقالت: سبحان الله أتسخر مني؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ألفاً، فقالت: أسأل الله العافية، فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين ألفا، فما أمست حتى كثُر خطابها).
حاشية: ومن الكتب الصحفية التي أعددت مادتها كتاب عن اولاد وبنات ابي بكر وقد وجدت عنه وعنهم حكايات ومآثر تشيد دولة فتقيم امبراطورية، ولكن (زمني الخاين) كما يقول أهل الحقيبة أجل الكثير من الكتب التي تناثرت خواطر في الأعمدة الصحفية، وطق حنك في التلفزيون والاذاعات وهذا أضعف الايمان.

حجابُ كربلاء

صحيح أن الطالبيين لهم مآخذ كثيرة على يزيد بن معاوية الخليفة الأموي الثاني لأن مقتل الحسين جعل ما بينه وبين الناس حجابا حتى منعهم من القراءة العقلانية للتاريخ.
ومن الحكايات التي تُروى عن عبدالله بن جعفر ويزيد بن معاوية مما تشكل مفاتيح لمغاليق هؤلاء الرجال أن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب (جعفر الطيار) حين قدم على يزيد ليعزيه في معاوية قال: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ فقال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف، فقال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. فقال: بأبي وأمي أنت. فقال: ولهذه ألف ألف. فقال: أما أني لا أقولها لأحد بعدك. فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال كله من مال المسلمين لرجل واحد. فقال: والله ما أعطيته إلا لجميع أهل المدينة، ثم وكّل به يزيد من صحبه وهو لا يعلم، لينظر ما يفعل، فلما وصل المدنية فرق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدين