ثلاثية السبت الأخضر

ولألون كلمة

حسين خوجلي

ثلاثية السبت الأخضر

1

قبل معركة رمضان عام 1973، التي انتصر فيها الشعب والجيش المصري انتصاراً باهراً على إسرائيل بعد أن حطم الأشاوس –رغم ضيق الإمكانات والتسليح– خط بارليف المنيع، ورفع ذلك النصر رأس كل العرب والمسلمين عالياً بعد نكسة 67، وأعاد الصواب والتواضع إلى الذهن الإسرائيلي الذي كان يختال زهواً ويتبختر، ظاناً أنه بدأ رحلة “إسرائيل الكبرى” بعد احتلال سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان.
نعم، قبل معركة رمضان، قابل الملك الشهيد فيصل –قاطع النفط عن الغرب في تلك الحرب المجيدة– مجموعة من العسكريين الكبار. وقد بدت عليهم آثار النعومة، وكان أغلبهم “ناصحين”، وفيهم ترهل المستريح. بينما كان الملك فيصل، كما شاهده الناس عياناً أو في صوره، نحيفاً كالرمح، قاطعاً كالسيف.
تأملهم ثم قال مازحاً وناصحاً: “ألم تسمعوا قديماً نصيحة الفاروق لقادة جيشه قبل أن ينطلقوا صوب إحدى المعارك العصية: (إياكم والسمنة فإنها عقلة، وامشوا حفاة فإنكم لا تدرون متى تكون الجولة).”

2

سألني أحد الأصدقاء، وكان محباً للتاريخ، أن أنصحه بدراسة عن مجموعة من الشخصيات العربية والإسلامية. فنصحته بالمثيرين للجدل الذين انقسم الناس حولهم إلى فريقين. ومن أشهر هؤلاء فاتك بني أمية: القاتل، المحارب، والمجاهد ضد أعداء الدولة، وكاسر جناح الخوارج… الحجاج بن يوسف الثقفي.
كتب فيه الكثير: أسفار ومقالات تترى بأقلام القادحين والمادحين. فقد نال الفروسية من تربية البادية، والفصاحة من تعليمه للصبيان، إذ كان قبل التحاقه بـ(الكلية الحربية) للأمويين مُدرساً. ومن غير الحروب والغزوات والملاحم، ستجد للرجل ملامح من الأدب والثقافة وبعض اللطف، سواء منه مباشرة أو من الذين حوله، القريبين والأبعدين.
ومثل كل القادة الكبار، لم يكن الرجل خيراً محضاً ولا شراً محضاً، وهكذا البشر. ورغم قسوة حياته، فقد كان فيه ظرف ودعابة حتى عند الرحيل. فقد روي أن الذين تحلقوا حوله ساعة السكرات، حين بلغت الروح التراقي والتفت الساق بالساق، سمعوه يقول بابتسامة حزينة مغادرة: “اللهم اغفر لي ذنوبي وإن تكاثفت، فأنت وحدك تعلم النية والطوية. ومن يغفر الذنوب العظام إلا مقدرها، الخالق العظيم.”
ثم التفت إلى جلسائه في تلك اللحظات المخيفة، مستجمعاً عافية السخرية:
“وإن كان عبادك لا يظنون ذلك.”
ومن لطائفه التي رواها أهل الأدب في “المستطرفات”: أن رجلاً جاء إلى الحجاج وقال: “إن أخي خرج مع ابن الأشعث، فضُرب اسمي في الديوان، ومُنعت عطائي، وقد هدمت داري.”
فقال الحجاج مستشهداً بالشعر:
جانيك من يجني عليك وربما
تعدي الصحاح مبارك الجربِ
ولرب مأخوذ بذنب عشيرة
ونجا المقارف صاحب الذنب
فقال الرجل: “أيها الأمير، إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا.”
قال الحجاج: “وما قال؟”
قال الرجل: “قوله تعالى:
﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴾ (يوسف 78-79).””فقال الحجاج: “يا غلام، أعد اسمه في الديوان، وابنِ داره، وأعطه عطاءه، ومر منادياً ينادي: (صدق الله وكذب الشاعر).”
فرجع الحجاج عن القبض على الأخ المظلوم لما سمعه من كتاب الله تعالى.

3

ولأننا لا زلنا في بلاط الأمويين، تذكرت حكاية حُويطب الطاعن في السن، ومروان بن الحكم السادر في غيّه بملاحقة معارضيه، إما بالسنان أو باللسان. لكن كما كان للرجل هذا وذاك، كان خصومه يمتلكون ذلك السلاح: سناناً ولساناً.
قال الشاهد: دخل حُويطب بن عبد العزى على مروان بن الحكم وهو على المدينة. فقال له مروان: “ما سنك؟”
فأخبره أنه بلغ المئة والعشرين.
فقال مروان: “تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث.” –وكان يشير إلى أنه لم يسلم إلا بعد فتح مكة–.
فقال حُويطب: “الله المستعان. لقد هممت بالإسلام غير مرة، وكل ذلك يعوقني أبوك عنه، وينهاني، ويقول: تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعاً؟”
فسكت مروان.
خاتمة: وقد فرحت جداً، وأصابني رضى خفي حين انتهت الحكاية عند هذا السكوت. فقد كنت أظن أن النهاية ستكون: “فأمر بالقبض عليه وجلده مائة سوط وتحذيره غاضباً: والله لولا ضعفك وتطاول سنك لأمرت بقطع رأسك.”