دعوة للإبتسامة في موكب الحزاني!

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

دعوة للإبتسامة في موكب الحزاني!

(1)

من لطائف التحرر الفكري عند عامة السودانيين ما حكاه لي أحد المشائخ المشهورين بالتقوى والعلم المستفيض مع التبسط الحذر مع الناس. قال لي: أتاني رجل يبدو عليه الاضطراب الظاهر والقلق الذي لا يحتاج إلى دليل، أسرّ لي هامسًا بأنه قد أوقع على زوجته الطلاق ثلاث طلقات، يقر باثنتين غير أنه لا يعترف بالثالثة حيث لم يتلفظ بالطلاق قولًا ولم تستكن نفسه على ذلك. بدأ يشرح حاله باكيًا بأنه له سبعة أطفال ولا يطيق أن يأتي رجل على زوجته.
قلب مولانا معه الأمور وقال له بحزم: (وبما أننا مالكية فإن مالك صاحب الموطأ يرى بأن طلاقك بهذه الصفة قد وقع، فلا تحل لك هذه المرأة إلا بعد أن تتزوج زواجًا كاملًا لا مراء فيه، فإن طلقها زوجها فلا تثريب عليك أن تردها إن تراضيتم). فقام الرجل من عند الشيخ (وشو يلعن قفاه)، وقبل أن يخرج من فناء الدار إلى الشارع العريض إذا بالشيخ يناديه وقال له ملاطفًا: هذا رأي مالك، أما ابن قدامة فله اجتهاد آخر.
فقال الرجل هاتفًا بسعادة: (يا مولانا خلينا مع ابن قدامة دا وفكنا من مالك.. إنت قايلو سري ولا ود عمي؟!).
وقديمًا تمرد المهدي على المذهبيين وقال لأنصاره: هم رجال ونحن رجال. وقد أظلنا زمان ليس فيه المهدي ولا المذاهب ولا الرجال ولا الرجال، ولا ابن قدامة، ولا حتى زواج يعقبه طلاق. فالبغاء – والعياذ بالله – قد صادروا الأزمنة والأمكنة والباءة.

(2)

كان الرجل كلما يستيقظ يجد زوجته وأبناءه وبناته يتحلقون حول الشاشة ينتظرون نتائج الانتخابات الأمريكية، فيعود إلى نومه ويستيقظ فيجدهم على ذلك التحديق والصخب. صلى الصبح وقرأ جزأه وأوراده وما زالوا عاكفين على شاشتهم، فجاءه اليقين بأن بايدن قد (داقة الدلجة.. داقة الدلجة). صرخ فيهم وقد لامست يده الأرض الملامسة التي تعقبها الحركة السودانية الشهيرة، وصاح في وجوههم:
(كان راجين ليكم فايدة في انتخابات الأمريكان.. الترامب دا في خشمكم!!!)

(3)

من الحكايات المؤثرة والباكية الرمزية التي حكاها لنا أحد حكام الولايات السابقين المشهورين ببذلهم وإخلاصهم للناس، قوله: إن الإعلام السوداني لو خرج للناس في الولايات واستقصى حياتهم لملأ الأثير بحزمة من الأخبار والحكايات يمكن أن ينقلها عنه الإعلام العالمي.
ومن المشاهد التي رواها استدلالًا: حكاية ذلك الشيخ الحزين الذي وقف بين أطراف نزاع قبائل المسيرية، وقد دفعت الحكومة الديات لإسكات أوار الحرب. رفع رجل فقير حكيم يده قائلًا بصوت يتدفق حزنًا وعبرة وحكمة:
“لقد فقدت في هذه الحرب اللعينة أربعة من أبنائي، والخامس يرقد مقطع الأوصال بالمستشفى ما بين الحياة والموت. وحتى إن مات فإنه وإخوته لن أسأل فيهم من حكومة أو قبيلة أو أحد دية، فإني قد جعلت ديتهم فدية لإيقاف الحرب وإيقاف النزيف بين أفخاذ وبطون المسيرية الذين خلقوا لدور أشرف من الثأرات.”
قال الوالي الشاب الحكيم وقد أغرورقت عيناه بالدموع السواجن: أنت تعلم يا أخ حسين أن أدمع الرجال في تلك المناطق عصية على التدفق والسريان، ولكن كهول وشباب المسيرية بكوا كما لم يبكوا من قبل بعد تلك الكلمات الصادقة، بكاء الأطفال الأبرياء، وعاد السلام لتلك القبيلة النبيلة.
ترى لو قرأ شباب المسيرية الذين يموتون الآن هباءً في هذه الحرب العدمية ماذا يقولون؟! ليتهم ماتوا قديمًا في الثأرات، فالموت في الثأرات الواجبة خير عند الله والناس من موت بدراهم معدودات في سبيل العمالة والخيانة.

حاشية: حكاية من زمن الإنقاذ الفقيدة التي غدر بها أهلها قبل أعدائها.

(4)

أغرى جعفر نميري، في خطته القائمة على تغيير الأسماء غير المناسبة للقرى السودانية، أهل قرية شلاليت ببناء مدرسة للبنات وبئر ارتوازية إن هم استبدلوا طواعية الاسم القديم بمسمى الثورة البيضاء.
لكن بعناد الريفيين المعهود، رفض أهل شلاليت العرض وقالوا: (نحن على القديمة.. وهذا ميراث أجدادنا الذين وجدنا عليهم أنفسنا).
خاف ابنهم المهندس بابكر أن يرفض طلبه الزواج من ابنة الأكابر بسبب اسم القرية العجيب “شلاليت”. وللمرة الثانية رفض أهل القرية عرض ابنهم المهندس بابكر في التغيير، ولما يئس ارتحل منهم خمسة أميال فاصلة حيث شيد عزبة ومزرعة، وأدخل خدمات الماء والكهرباء، وأبقى عمال خدمته والفلاحين بحديقته ومزرعته الخاصة المترامية الأطراف.
ودون تقدير منه للموقف، بدأت القرية الحدثية في زهو العمران والتحضر والزيادة.
سافر الباشمهندس بابكر في مهمة طويلة إلى ألمانيا لاستجلاب ماكينات لمصنعه الجديد، طال غيابه، وأحب أهله أن يستفيدوا من خدمات البئر الارتوازية والكهرباء، فرحلوا شيئًا فشيئًا قريبًا منه.
(ولما استحكمت حلقاتها) كانت دهشته عظيمة حين اقترب من عزبته فوجد لافتة كبيرة قد نصبت بخط أبيض عريض على حديد أسود:
(قرية شلاليت بابكر)
وفي رواية أخرى: (شلاليف بابكر).

حاشية: إن السودانيين، رغم مواكب الحزن التي يمشونها ليل نهار، لا ينقطعون أبدًا عن صناعة الابتسامات المجتزأة بسبب ضمير الحزن ونفسات الأسف.

(5)

علّم الشعب – مستودع الحكمة – الحكومة درسًا في الصبر الجميل والإمهال الذي لن يتكرر، وعلّم المعارضة وادّعاء النضال درسًا في الوطنية والجهاد المدني الحقيقي. وتعلّم الشعب أن يتألم من غلاء الأسعار درسًا جعله يقول سرًا:
(إننا نخشى من وطأة الضمير عن العيش في أرض لا نستحقها).

(6)

قال أحد الحكام لإحدى الأمصار بعد صلاة الجمعة:
“أيها الناس، إنني منذ أن أتيتكم واليًا أوقف الله عنكم داء الطاعون.”
فقام أحد المصلين قائلاً:
“إن الله أكرم من أن يجمعك والطاعون علينا في زمان واحد ومكان واحد.”

إضاءة: ولم يعتقله أحد.

(7)

أن تصبح دولة عظمى تحتاج لثلاث ركائز:

أن يكون لك جهاز استخبارات خطير يلتزم بالعلمية والقانون والعدالة والدهاء، ويديره كوادر أقل صفاتها الذكاء والتجرد والمهنية، وأن تكون للجهاز حزمة أسرار وغموض يستعصي على ذهب المعز وسيفه.

أن تتجرأ باختراع تقنية تجعل قاذفات الـ F15 والـ F35 مجرد ألعاب هوائية في حدائق الأطفال.

أو تجازف – متوكلاً – بأن تطبع الدولار الأمريكي كما تطبعه أمريكا بلا غطاء من ذهب، كما يفعل ترامب ونتنياهو والبنك المركزي الأمريكي.

(وأفيش حد أحسن من حد).
حينها سوف تكون قرارات عصبة الأمم وحق الفيتو لا تساوي ثمن الحبر الذي تُكتب به.

(8)

أجمل تعريف قرأته: أنك حينما تكون شابًا تفعل الأشياء بتلقائية، وعندما تكون كهلاً تفكر فيها فقط.

(9)

بالك فاضي في روقة الغصون بتنقد
ونحنا نهاتي لا بنرقد ولا بنرقّد
الخلاني يا الساحر تملي مسقد
فرق العنقو باهي وجوفو مو متعقّد
هذا أول إعلان لبيت جمال سوداني للرشاقة والرجيم، حيث تكون المواصفات للعرس القادمة: (فرق العنقو باهي وجوفو مو متعقد). والمعنى واضح يا عريس الغفلة