كانوا يجيدون الرسم بالكلمات

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

كانوا يجيدون الرسم بالكلمات

(1)
أهل المدن في السودان – الخرطوم ومدني مثالاً – تفنّنوا في صناعة وصياغة الأطعمة، وأهملوا بليلة المباشر. ولكثرة الأنواع والولائم والمآدب في الأفراح والأتراح أهملوا التسليح والحماية والتدريب.
فلما وقعت الواقعة وأحرقت نكبة البغاة الأخضر واليابس لم يجدوا بندقية ولا بليلة مباشر، فتفرّقوا في الأمصار أيدي سبأ. ولولا الحياء لقلت: ولّينا هاربين.
وفي التمادي في أمر الدنيا والإحساس بدوامها، تسلّل اللئام. وقد أعجبني تصرف الفاروق الذي يصلح مثالاً لنقل الأصل إلى العصر.
قيل: إن الفاروق عمر بن الخطاب دُعي إلى عرس، فرأى قدوراً تغلي بأنواع الطعام، فعمد إلى القدور وكبّها في قدر واحدة، وقال: إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضاً.

(2)

كثير من أحاديث المصطفى ﷺ كنا نستعملها من باب الاختيار والبركة، ولكنها بعد النكبة صارت من ذاك وزيادة عليه، وأصبحت واجباً وتطبيقاً على الأرض.
ولقد صار لزاماً على كل شارع في قرية أو مدينة أن يُسرج ناراً عليها قدر كبير من البليلة، وشيء من الملح والزيت، وكل من أتى جائعاً له ولعياله نصيب.
ومن هذه الأحاديث التي ندعو الجميع إلى حفظها وتطبيقها وتبشير الآخرين بها قولاً وعملاً:
قال ﷺ: إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم في المدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم.
عزيزي القارئ، هل بقي في هذا الزمان أشعريون غير السودانيين؟

(3)

عن عبد الرحمن الخزاعي: وُجد أثر على ظهر الحسين بن علي يوم الطف (يوم استشهاده)، فسألوا زين العابدين عن ذلك، فقال: هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين.
وقيل إنه بعد مقتل الشهيد الحسين بن علي وُجد أن مائة من بيوت مكة قد أصبحت بلا خبز ولا إدام، فقد كان الحسين كافلها سرّاً.
فهل أدركتم الآن لماذا يحب أهل السنة والجماعة الحسين الشهيد أكثر من الشيعة والطالبيين؟

(4)

الحكاية الآتية هدية للصوص من أتباع عصابة دقلو الذين يدّعون الصلاح والتقوى وحب الدين كذباً ونفاقاً. وحال هؤلاء الأوغاد تذكرني بحال ذلك اللص الكاذب المنافق الذي يدعم حجته الماكرة بدموع التماسيح.
رُوي أن فاطمة بنت الحسين قالت: دخلت علينا العامة الفسطاط بعد مقتل أبي – وأنا جارية صغيرة – وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك يا عدو الله؟
قال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟
فقلت: لا تسلبني.
فقال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه.

(5)

إن الأمراء والسلاطين والرؤساء في زماننا هذا يتسمون بالسمكنة والزهد والتواضع، حتى إذا استولوا على الأمر انتخاباً زائفاً أو انقلاباً مفروضاً، تغيّرت الحال: استكبروا وتبختروا وقتلوا وسجنوا وسرقوا… هذا غير الأفعال تحت الطاولة.
فإن أردتم دواءً لهذا الشر المستشري فاقرأوا معنا حكاية عمر بن عبد العزيز الذي قلب الآية تماماً. فقد كان قبل الإمارة أميراً، وصار بعدها فقيراً.
حكاية نهديها إلى حكامنا وأمرائنا والسلاطين:
قال شيخ من أهل المدينة: رأيت عمر بن عبد العزيز في المدينة وهو من أحسن الناس لباساً، وأطيبهم ريحاً، ومن أخيلهم في مشيته. ثم رأيته بعد أن ولي الخلافة يمشي مشية الرهبان… فمن حدثك أن المشية سجية فلا تصدقه.

(6)

من غير الأقوال المباركة والأفعال الحميدة الموسومة بقيم الحق والخير ومكارم الأخلاق، فقد كان للكبار في تاريخنا ذوق وإتيكيت وأناقة في النصيحة.
فقد كان الإمام علي بن أبي طالب قد ركب لحاجة، فاتبعه رجل يمشي خلفه. فقال له: ارجع، فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للمتبوع، ومذلة للتابع.

(7)

الإمام الغزالي – صاحب إحياء علوم الدين و تهافت الفلاسفة و المنقذ من الضلال – كان أول من كشف التدين الشكلاني وامتطاء قول الحق باللسان، والقلب أكثر سواداً وحقداً من الصوّان الأسود المجلّى بماء المطر برمل لا طين فيه ولا كدر.
قال الغزالي: ترى الواحد منهم يتعصب لأبي بكر وهو آكل الحرام، مطلق اللسان بالفضول والكذب، ومتعرّض لأنواع الفساد، ولو رآه أبو بكر لكان أول عدو له… وترى فضولياً آخر يتعصب لعلي، وكان من زهد علي وسيرته أنه لبس في خلافته ثوباً اشتراه بثلاثة دراهم، وقطع رأس الكمين إلى الرسغ… وترى الفاسق لابساً ثياب الحرير، ومتجملاً بأموال اكتسبها من حرام، ويتعاطى حب علي ويدعيه.