ليلة السبت

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ليلة السبت

1
جلس أربعة من الطيارين يتناولون في صالة الطعام الفخمة بقاعدة رامات ديفيد الإسرائيلية، وهي واحدة من أخطر ثلاث قواعد إسرائيلية لضرب العواصم العربية القريبة والبعيدة. جلسوا لتناول طعام الإفطار وكانوا على عجلة من أمرهم بعد أن صدر لهم أمر إقلاع لضرب خيام المهجّرين الفلسطينيين إلى حيث لا أمان في غزة ولا ملاذ ولا ملجأ.
أحدهم كان من يهود أوكرانيا، والآخر من يهود بولندا، والثالث روسي، ورابعهم من الفلاشا الإثيوبيين. بعد الإفطار الدسم تناولوا أكواباً من النبيذ الفاخر وضربوا الكؤوس في نخب العملية. الجريمة لم تكن كؤوس النبيذ للمتعة والنشوة فقط، بل كان لها هدف آخر: أن يغيبوا في وجدانهم الفاجر أي التماعة إنسانية، أو إحساس بالفطرة النقية، أو النخوة التي تشرق في قلب كل آدمي. كانوا يجتهدون لقتل كل هذه المآثر في أنفسهم الممتلئة حقداً على الآخرين.
وفي سؤال مباغت قبل أن ينهضوا مسرعين صوب قاذفاتهم الأمريكية الصنع، سأل اليهودي الإثيوبي زميله اليهودي الأوكراني:
– لماذا قتلت البارحة الأطفال (ياسر، قاسم، ورغدة) الذين كانوا يلعبون أمام خيمتهم الممزقة وليست لهم علاقة بالمقاومة أو بحماس؟
ردّ عليه بضحكة هستيرية غامضة وشيطانية:
– لقد قضيت عليهم لأني خفت أن يكون ياسر بعد عشرين عاماً ضابطاً في جيش دولة فلسطين، وأن يكون قاسم طبيباً في مدينة القدس المحررة، وخفت أن تكون رغدة أستاذة بكلية القانون في جامعة رام الله.
تضاحكوا لغرابة الإجابة التي أصابتهم بكثير من الارتياح، وقد اعتبروها فتوى عملية لقتل الأطفال الأبرياء. وأداروا بعدها محركات الـ F-35 لإكمال بقية التدمير بمدينة غزة: بيوتاً وبنايات وشوارع وخيام.
وفي ذات الزمان وجدت الأسرة الجريحة وقتاً لتنبش قبوراً سطحية على عجل لمواراة الأجساد الصغيرة، أو بالأحرى الأشلاء الصغيرة. صلى بهم الأب وبعض الجيران وخطب أمام قبر أطفاله والمشيعين الذين كانوا لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة بكلمات حزينة ودامعة:
لقد نسي هؤلاء الأوغاد الذين نفذوا هذه الجريمة البشعة أن أطفالنا أبناؤنا، فلسطين التي تابت واستعصت على الراية البيضاء، أنهم يسابقوننا ويبقوننا إلى الجنة ولقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في المقام الأرفع، وينسون بشارة الانتصار الربانية القادمة ولا شك فيها: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).
وقبل أن تغادر القافلة الصغيرة للمشيعين المقبرة الطارئة، كانت طائرات الأوغاد الأربعة قد وصلت، ولم يكن في عراء غزة المستباحة جواً وبحراً إلا هذه القافلة المباركة من المشيعين. وقبل المغادرة التهمتهم صواريخ الـ F-35 وأردتهم قتلى، وحفرت حفرة غائرة في قلب أجساد ياسر وقاسم ورغدة. وكانوا أول شهداء أطفال في التاريخ يُقتلون مرتين.

2

حدثوا والدتهم التي غادرت البقعة بعد النكبة وهي تردد مقطع الخليل:

ويح قلبي الما انفك خافق
فارق أمدرمان باكي شافق
يا أم قبائل ما فيك منافق
سقى أرضك صوب الغمام

قدّموا لها تقريراً مفصلاً عن حالة أمدرمان: تكاثف القبور والجرحى، الغلاء والمرضى، قلة الموارد مع الوبائيات والمسغبة. قالت لهم: وكيف بالإنسان؟
فأجابوا: رغم كل ذلك أهلها يتوافدون عليها من كل الأصقاع.
هنا قالت لهم: إذاً فإني قد أكملت حقيبتي للعودة رغم المرض، فالحياة في أمدرمان عفة والموت في ثراها شهادة. وأطلقت دعوتها المأثورة عند صالحات بلدنا:
(أسأل الله السودان الجاتو تختاهو).

3

ومن الوصايا التي نهديها لوالي شمال كردفان وقائد متحرك الصياد والفريق أول كباشي، وهم يرابطون في شجاعة فوق الشجاعة، وفي تجرد فوق التجرد، وفي صبر وجلد ونكران ذات، ومعهم السند الأسطوري لقادة المشتركة والمقاومة وكتيبة البراء، والجميع يسدّون بصدورهم العارية كردفان الغرة أم خيراً جوه وبره. وياله من خير مضى وخير مقيم وخير قادم.
قيل: إنه قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من أهل الثغور له سن، فسأله:
– كيف رأيت عمالنا؟
فأجاب:
– يا أمير المؤمنين، إذا طابت العين عذبت الأنهار.
ولم أقرأ قريباً ثناءً ومدحاً مثل هذا، خاصة أنه من لدن مجاهد أتى من الثغور. والشهود الشباب في بلادنا هذه الأيام إما شباب متعلق بثغور الحسان، أو طليعة متعلقة بثغور الجنان.

4

الفنان الراحل، المغني والمطرب والمنشد والمادح والشيخ العارف صلاح بن البادية، صنع وشيجة إبداعية مع الشعب الفلسطيني الشقيق برائعة الشاعر محمد حسيب القاضي، وما زال العامة والخاصة يتغنون:

تركت باقات الزهور هنا
ولكم بأزهاري تزينت
ألقيتها بجوار مقعدنا
وجمعت باقات الزهور هنا
ولكم .. بأزهاري تزينت
ألقيتها بجوار مقعدنا الخالي
حزيناً إذ تخلفت
وبكى المساء الوردي
وارتعشت كل النجوم .. عشية السبت
وحملت .. أشواقي وعدت بها
متلفحاً بالليل .. والصمت