الزمان العربي بين نيكيتا وماكرون

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

الزمان العربي بين نيكيتا وماكرون

من الإنجازات الكبرى التي شهدتها وأنجبتها العلاقات الحميمة بين الاتحاد السوفيتي وجمهورية مصر العربية مشروع السد العالي، الذي ساهمت في بنائه موسكو بأغلب التمويل والخبراء، والذي شكّل بعد نهايته وافتتاحه طفرة إذ كهرب الريف المصري والمدن وأعان في بناء مصر الجديدة. والغريب في الأمر أن العلاقة بين النظام المصري آنذاك والحزب الشيوعي المصري كانت متفاقمة جداً، وقد شهدت كوادره اعتقالات ومحاكمات ومطاردات كان منتهاها الأقصى في المواجهة اغتيال كادرهم شهدي عطية داخل السجون، وقد اتُّهمت السلطات آنذاك بتعذيبه وانتشر الخبر في كل أنحاء العالم، ورغم ذلك لم تتأثر علاقة المصالح المشتركة بين البلدين لخصومة الحزب بالداخل مع النظام.
وأثناء زيارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف لمصر عام 1964م، همس في أذن الرئيس المصري جمال عبد الناصر بأن مطاردته للشيوعيين المصريين وحل الحزب الشيوعي يعرّض النظام لحرج بالغ أمام الرفاق السوفيت والأحزاب الشيوعية في الرقعة العربية والإفريقية والآسيوية، وقد طلب بإلحاح إطلاق سراح الرفاق المصريين وإعادة الحزب لممارسة نشاطه العلني. لكن عبد الناصر رد عليه بحزم بأن الثورة قد قامت بحل كل الأحزاب السياسية ولن يكون الحزب الشيوعي استثناءً من هذا القرار. لكنه في ذات الوقت عرض عرضاً تاريخياً للزعيم السوفيتي، وقد سرى هذا العرض بآثاره العملية عميقاً في جسد الثقافة المصرية والإعلام المصري، بل في كل الإعلام بالمنطقة العربية، بفعل التأثير القوي لشعارات الثورة المصرية.
كان عرض عبد الناصر الذي قبله الزعيم السوفيتي وتقبله الرفاق لاحقاً هو: أنه لا يمانع أن ينضم الحزب الشيوعي المصري وكل قوى اليسار إلى الاتحاد الاشتراكي، التنظيم الذي طرحته الثورة لاستيعاب الأحزاب السياسية والقوى العاملة، وأنه لا يمانع أن يوليهم إدارة الإعلام المصري ومؤسساته: الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والمنابر والهيئات والاتحادات الثقافية والإعلامية.
وفعلاً تحرك الرفاق واستولوا تماماً بكوادرهم المؤهلة والمدربة في الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية على السينما والمسرح والصحافة والإذاعة والتلفزيون والمنابر الثقافية المختلفة والاتحادات المتصلة بالمنظمات المثيلة في العالم. وقدّموا قياداتهم في مجال القصة والشعر والكتابة والتأليف، بل إنهم عبر سطوتهم استطاعوا أن يستميلوا أغلب التيارات الثقافية الأخرى لتسير تحت ركابهم رغبة أو رهبة. وللأسف استمرت هذه السيطرة منذ الستينات إلى يوم الناس هذا، بل امتد تأثيرها لكل الرقعة العربية، وأشاعوا ثقافة فصل الدين عن الدولة والعلمانية ومحاربة القيم العربية من وراء ستار الاستنارة والتحرر والاشتراكية.
والحديث في هذا يطول، فقد جعلوا رموزهم في الشعر والقصة والمسرح والتأليف والصحافة أنصاف آلهة يُسبِّح بحمدهم ببغاوات النقد والصفحات الثقافية والمنابر ليل نهار، والأسماء كثيفة في هذه المجالات، ربما نفرد لها مقالات أخرى للإضاءة والإيضاح. وقد قادوا بنجاح كل حملات النظام الناصري ضد خصومه المباشرين والمحتملين.
وكل هذه المقدمة قادتني لحادثة طريفة؛ فقد كان من أدوارهم التي برعوا فيها صناعة النكتة السياسية. أثناء حرب النظام المصري ضد اليمن والإمام البدر، أطلقوا مجموعة من النكات التي تتحدث عن تخلف الإمام ونظامه، بما مهّد لحكومة السلال الشهيرة التي ذهبت أدراج الرياح، وفقد الشعب المصري في تلك الحرب العقيمة المئات من شبابه الواعدين وسط شعاب الجبال وكهوف اليمن. ومن تلك النكات والتشنيعات ضد نظام الإمام ما حُكي: أن قرية يمنية قُتل أحد مواطنيها في قرية مجاورة لها على يد معلم مصري كان يدرس في مدرسة الأساس فيها، وكان القصاص من هذه المدرسة التي شهدت الجريمة المروعة أن أهلها قاموا باغتيال معلم مصري آخر في القرية المجاورة!
ولأن الأحداث في هذا العالم العجيب تتشابه حتى لو اختلفت المواقع والأمكنة والأزمنة والشخوص، فقد استمعت البارحة لمجموعة من التقارير الخارجة من أفواه قيادات اليمين الإسرائيلي وحزب الليكود والحكومة والكنيست بأنهم سيقومون بضم الضفة والقطاع ويعلون السيادة عليها ردّاً وثأراً على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وبعض الدول الوزانة عقاباً على اعترافهم بالدولة الفلسطينية، التي مازالت حبراً على ورق ومجرد قرارات شفاهية ظلت هذه المنظمات والدول ترددها منذ الستينات إلى اليوم.
مسكين الشعب الفلسطيني الذي يشهد كل يوم قتل العشرات من المعلمين والمدرسين فيه شتى العواصم وفي داخل أرضه. هي دعوة نطرحها على العالم متسائلين وساخرين: إذا كان الشعب الفلسطيني سيفقد الضفة الغربية وغزة الجريحة، فماذا ستفقد فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا عقاباً على ذلك؟
إنه لعمري زمان المضحكات المبكيات، إن لم يكن زمان المبكيات المضحكات.