إني أقترح ..

ولألوان كلمة

حسين خوجلي
إني أقترح ..
* عاتبني أحد الأخوة الذين طالعوا كلمة الأمس بألوان الموسومة ببرقيات لبعض القابضين على جمر القضية لأني لم أرسل برقية لمجلس السيادة المنعقد في كامل هيئته، وماكان لي إلا أن استجب خاصة وأنني تذكرت رسالة الحكيم التي بعث بها للحاكم وهي ما يصلح اذا ما كتبت بلغة اليوم بأن تكون برنامجا سياسيا للحاكم والحاكمين والحوكمة وهي أدخل بناصعتها في أن تكون مدخلا في باب (إني أقترح)
أول ما أوصيك به تقوى الله وإيثار طاعته،ومن تولي أمور الناس فيجب عليه، أن يكون ذاكراً ثلاثة أشياء :أولها أن يده تكون على قوم كثير (زيادة الناس والأقاليم ورفض حق تقرير المصير)،والثاني أن الذين يده عليهم وجب عليه تزكيتهم أحرار لا عبيد، والثالث أن سلطانه لايلبث. واعلم أن الرعية تسكن إلى من أحسن إليهم وتنفر ممن أساء ، والسلطان برعيته فإذا نفروا عنه كان سلطان نفسه.أصلح آخرتك تصلح لك دنياك، أكتم السر واستيقظ في الأمور وجدّ في الطلب واذا هممت فافعل، وعليك بحفظ أهل الكيمياء العظمى وهم الفلاحون (سامعين يا بتاعين الحواشات ) فإن الجند بهم يكثرون وبيوت الأموال تعمر. وأكرم أهل العلم وقدمهم لئلا تجهل الرعية حقهم. من طلب العلم أكرمه ليصفو ذهنه ومن سرق فعلمه الفقه وامنحه الصنعة والحقه بالثغور ، ومن قطع الطريق إضرب عنقه، ومن كان في قومك من يغير طبيعته والصبغة بشذوذ فوسع له في العذاب،ومن وجدته مظلوما فخُذ بيده.
تعهد أمر المحبوسين في كل شهر تأمن سجن المظلوم. شاور من علمته عاقلاً تأمن خلل الفرد ، لاتعاجل صغار الذنوب بالعقوبة واجعل بينهم للأعتذار طريقاً.

* كنت قد اقترحت قديماً أن نعين الأستاذ الطيب صالح عليه الرحمة سفيراً للسودان ببريطانيا، تكريماً للرجل وتكريماً للأدب وتكريماً للإعلام وتكريماً للبساطة والتواضع، وتكريماً للآخر الذي نختلف معه ونتفق على احترام. الطيب صالح رجلُ يشرف الخارجية وتتشرف به ويمنحها ولا تعطيه، دعوه يفعل ما يشاء ويحاور من يشاء ويناور من يشاء. أمنحوه السفارة وألحوا على شخصيته الزاهدة بالقبول والتكليف.. فإننا بمثل هذا الفعل الرامز، نؤكد للدنيا أننا نعرف أقدار الرجال وقامات المبدعين السامقة. والطيب لا يحتاج بالمنصب لدوي شهرة، فإن كانت للمجد أسباب وحظوظ اختصرها أبو الطيب في:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
فكذلك فعلت الدنيا وهي (تصنف) لود صالح بأنملها العشر رغم الرحيل المر..
بالمناسبة هل بقيت في بلادنا دار نشر أو مجرد نية في بعثها فأن فعلت أو فعلنا فأني أوصيكم بالمجموعة الكاملة للطيب صالح.
* إني أقترح أن نطلب من السادة مديري المشاريع الزراعية مزرعة واحدة فقط مثالية بها زرع وضرع وحديقة مثمرة ومنحل وعشرة زيجات لبياطرة وزراعيات، مزرعة تهتف للعواصم البائسة، بأن النيل في مروي والصفاء في مريدي والقمر في كنانة.
ستة أشهر فقط وتزهر الدينا فأن لم تجدوا ثمرة ما أقترحنا (أدونا مفاتيحنا وقموا بلا لمة) كما كان يرددها الساخر الشاعر أبو منة حامد.
* إني اقترح بأن تعيد وزارة التربية والتعليم حنتوب وطقت ووادي سيدنا وخور عمر..
وتختار لها أبناء السودان من كل أنحاء السودان. فهذا هو الوعد المستقبلي بالوطن الواحد.. والذين يتعللون بمصاريف الداخليات صرفوا ما يكافئها ألف مرة في المؤامرة والحروب وشح النفس وتجارة الحرب.
* إني اقترح إقامة معهد عالٍ للألعاب الفردية تجمع له كل الكفاءات من كل أنحاء السودان. معهد يركض فيه أبناؤنا كالغزلان في الجري والسلة والسباحة والرمي والتبادل، ويلسعون مثل النحلة في الملاكمة.
معهد يدرس الرياضة والطب والثقافة والآداب والفنون واللغات..
معهد يضع السودان (بلا علوق شدة) ولا تجنيس في المقدمة.
ولا تركوا المستديرة للعقول الفطيرة وهي تتشاكس فيها ليل نهار، حول فطيسة لا يستحلها الشرع ولا تستحلي لأصحاب الذائقة الفطرية والمزاج الراقي والعاطفة المشبوبة.
* إني اقترح أن نبدأ بطباعة كل دواوين الشعراء الجدد الذين يتدفقون شعراً وحكمة وجاذبية، رغم لؤم الأعين والمنابر.. دار نشر ومطبعة حديثة ننفق عليها كما ننفق على المؤتمرات القاعدية التي ما صعدت نجماً ولا قضية، ولنبدأ بأولاد البلد المشهود لهم بالأبداع والفصاحة الكتيابي وصديق مجتبي وعلي يس وخالد فتح الرحمن ورضة الحاج أبتهال مصطفى وهم يشدون بالشعر الكبرياء والموهبة المطبوعة، والأبيات تنثال كالنجيمات البعيدة على ليل العاشقين والمحاربين وأهل المواجع اللدنية:
لا تسحرنَّك يا بني التوصيات الخُضر
من دُمن اللجان
فإنهن مشفّرات بالرموز لمن يخون
لا يأسرنّك حُسنهنّ وإن بَدَوْن محفّلات
بالمبادئ
فالنساء الممكنات
كلابهنّ الممكنون
لا تنخدع بحماسة الخطب الطوال فإنها
في النص واحدة
وقد أدلى بها في هذه الدنيا ملوك سابقون
هي نفسها هي نفسها!!
بل نفسه هو نفسه
في الصوت والحركات لحن القول
في حمل العصا في الزي في زيغ العيون
وكأنهم نسخ بلا أصل
فهم من بعضهم في بعضهم يتناسخون!!
* إني أقترح دراسات جدوى للأئمة وامتحانات معاينة ومعالجة «فقد صلى معاذ بالناس فأطال بهم، وترك بعضهم الصلاة خلفه لطول قراءته. وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فغضب من معاذ وقال له: أفتَّان (من الفتنة) أنت يا معاذ؟ من صلى بالناس فليخفّف!!
* إني أقترح على العلمانيين واليساريين والقوميين الذين يولولون ليل نهار بالشاشات خوفاً ورعباً وزلزلة من اكتساح الإسلاميين للانتخابات التونسية، أن يصطبروا ويتصبّروا بالجرعة الآتية حتى تمدّهم أمريكا بالفكرة التي تذهب الصرعة والسكرة، وهي جرعة يتناولها المصاب مرة واحدة في اليوم..
ملك الملوك إذا وهب
لا تسألنّ عن السبب
الله يعطي من يشاء
فقِفن على حد الأدب
ولكن كيف يقوى (قليل الأدب)
على حد الأدب أيها العارف..
* إني أقترح أن يعلن السودان عن قنبلته النووية حتى يجد الغرب تبريراً للدخول المبكر والمقيم، فقد سئمنا الموت بالقطاعي وتشويه السمعة وتلطيخ الأعراض.
* إني أقترح أن نتنازل عن رئاسة الاتحاد الأفريقي لفولتا العليا منذ الآن، حتى لا نكلف فرنسا مشقّة التبرع لها أو الدخول معنا في صراع نحن لا نملك تكاليفه الباهظة، وأنتم تعرفون جدل غانيات الشانزليزيه.. (والمشتهي الحنيطير إطير).
* إني أقترح أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بالخرطوم بجمع كل المتسولين بالعاصمة ، وتصرف على طعامهم وشربهم ورعايتهم إن كانوا مرضى أو عاجزين. ويجلد من كان قادراً وعاطلاً.
(لا.. أنا متنازل عن الاقتراح فقد تذكرت شيئاً)!! فهل في نفسك يا عزيزي القارئ ما يغري بالتذكار أو يحرض عليه.
* إني أقترح أن تحمل لنا سودانير في كل مقعد فارغ، أديباً من الخارج أو عالماً للمثاقفة والتحاضر، وأن تمنحنا الفنادق كل غرفة فارغة لهؤلاء الضيوف الأذكياء..
وأنا أضمن لكم ود السهل وود القبائل وود الأمير وود الصعيد وود الفادني.. وألف ود ممن تعدّون، للولائم والكرم الحاتمي. وأضمن لكم كاميرا أم درمان، ولن يمتلئ يومها الميدان الشرقي بالماء الضرار.
* إني أقترح على المدارس الخاصة وأبناء الذوات ومدارس الأقليات، تدريس الأدب الشعبي من شاكلة:
ماني الخايب الدايماً بقول سويت
وما نهروني عِن ساعة السؤال قريت
إن بردن قروش ماني البخيل صريت
وإن حرَّن بكار ماهن صفائح زيت
نعم مادة للحفظ.. حتى يعلموا أن هذا السودان الجميل صنعه الفصحاء بلغة أكثر وسامة من الفصحى القديمة.
* إني أقترح أن يزرع كل مواطن شجرة، وأن تكنس كل أسرة الأمتار التي أمام دارها.. وأن نبتسم وأن نبدأ التأمل مع آذان الفجر، فهذه هي المقدمة الأولى لدولة الكفاية والعدل.
* إني اقترح أن نمد أحلامنا للأقصى حتى يمد والي الخرطوم جهده للأقصى جداً.