ثلاثية السبت

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ثلاثية السبت

من أعجب قصص التاريخ الموثقة والمروية: قصة أبو طالب جدّ النبي صلى الله عليه وسلم وكبير قريش، مع أبرهة الملك الباطش الذي جاء ليدك مكة، أول بيت وُضع للناس للتوحيد والعبادة.
وقف الرجل مطالبًا بمصالحه: مئتي من الإبل صادرها جنود الملك. وقد أدهش الطلب المتواضع أبرهة، فازدرى الرجل: جئنا لندك بيته سبب عزته وشرفه، وعاد هو يسأل الإبل! فيا لها من مفارقة.
لكن أبرهة لم ينتبه لكمال التوكل في الرجل، وإيمانه العميق بإرادة السماء والمشيئة: إن للبيت ربًّا يحميه. كان أستاذنا في اللغة يقول لنا هذه الحكاية المتداولة، ولكن لكي تربطوا الأصل بالعصر، اكتبوا لها مدخلاً وتوطئة، واختاروا لها عنوانًا.
عزيزي القارئ، دعنا نحيل طلب أستاذنا الأديب لك. فماذا أنت قائل؟ تقول الرواية.
جهَّز أبرهة الحبشي – وكان نائباً لملك الحبشة ووالياً على اليمن، جيشاً كبيرا، وأنطلق قاصداً البيت العتيق (الكعبة) يريد هدمه، وكان من جملة دوابهم التي يركبون عليها الفيل- الذي لا تعرفه العرب بأرضها- فأصاب العرب خوفٌ شديد،ٌ ولم يجد أبرهة في طريقه إلا مقاومة يسيرة من بعض القبائل العربية التي تعظم البيت، أما أهل مكة فقد تحصنوا في الجبال ولم يقاوموه.
وجاء عبد المطلب سيد قريش يطلب إبلاً له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة: كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني، قال عبد المطلب: أنت وذاك. وأنشد يقول:
لاهُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبنَّ صليبهم ومحالهم غدواً محالك
إن كنتَ تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدالك
وأما قريش ففروا من أرض الحرم إلى رؤوس الجبال، يحتمون بها، ويترقبون ما الذي سيحل بأبرهة وقومه.
فلما أصبح أبرهة عبأ جيشه، وهيأَ فيله لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر-بين مزدلفة ومنى- برك الفيل، وامتنع عن التقدم نحو مكة، وكانوا إذا وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق انقاد لذلك، وإذا وجهوه للكعبة برك وامتنع، وبينما هم على هذه الحال، إذ أرسل الله عليهم طيراً أبابيل -ومعنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً- مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، لا تصيب منهم أحداً إلا تقطعت أعضاؤه وهلك.
أما أبرهة فقد أصابه الله بداء، تساقطت بسببه أنامله، فلم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل فرخ الحمام، وانصدع صدره عن قلبه فهلك شر هلكة. وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه فقال: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول}.

 

خيبة المنصور وهيبة الإمام

 

كثير من الناس اشتهرت بينهم حكاية سجن وتعذيب الإمام أحمد بن حنبل ومأساته مع الخليفة المعتصم بالله. يا لعظمة ابن حنبل، فقد أيّده في معركته وجهاده ضد الروم وهو تحت وطأة السوط الغائر وظلمات السجن.
لكن الكثيرين لا يعلمون قصة الإمام الشهيد والعالم صاحب المذهب أبو حنيفة النعمان، الذي استمسك برأيه ودفع من أجله الثمن، ومات شهيدًا في غياهب السجون في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور.
وأنت أيضًا، عزيزي القارئ، مطالب بعد قراءة هذه القصة الحزينة أن تستخرج من لبابها معنى، وأن تختار لها عنوانًا غير الذي اخترناه.
يقول الشاهد…
دعا المنصور أبا حنيفة إلى منصب القضاء وهو يعلم علم اليقين أن الإمام سيرفض تمامًا كما فعل من قبل مع الأمويين وواليهم ابن هبيرة، وإنما أراد المنصور بهذا العرض أن يختبر مدى طاعة وولاء أبي حنيفة للدولة العباسية، وفي مجلس المنصور دار هذا الحوار الفريد بين الخليفة المستبد والإمام الكبير، فعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع، فقال المنصور: أترغب عما نحن فيه؟ [أي يشكك في طاعة الإمام للدولة].
فقال أبو حنيفة: لا أصلح.
فقال المنصور وقد احتد: كذبت.
فقال أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح، ثم استخدم أبو حنيفة مهارته الفائقة في الإقناع والقياس فقال: فإن كنت كاذبًا فلا أصلح [يعني لكذبه]، وإن كنت صادقًا فقد أخبرتكم أني لا أصلح، وعندها غضب أبو جعفر المنصور بشدة وأقسم بأغلظ الأيمان ليليَّن الإمام منصب القضاء، وكان من الطبيعي أمام هذا الغضب وهذه الأيمان المغلظة وسطوة الخلافة أن يرضخ أبو حنيفة لكل هذه الضغوط ويوافق، ولكن أبا حنيفة العالم الرباني الذي لا يبالي إلا بسخط الله عز وجل وحده وغضبه، والذي يعلم عواقب أمثال هذه المناصب المشروطة يرد على الخليفة المنصور وقسمه بقسم أغلظ ويمين أوكد، ويقسم أبو حنيفة ألا يلي هذا المنصب الخطير، ومع قوة رد الإمام لم يستطع الخليفة المنصور أن يرد، وعندها يتدخل الربيع حاجب الخليفة المنصور في الحوار لعله أن يستطيع إثناء أبي حنيفة عن رأيه، ويقول للإمام أبي حنيفة مهددًا: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف؟ فرد أبو حنيفة بهدوئه ووقاره وفطنته المعهودة: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني، وهو بذلك يؤكد على إصراره ورفضه لمنصب القضاء، وأنه مهما كانت الضغوط ومهما كانت شخصية صاحب هذه الضغوط وسطوته فلن يرضخ الإمام.
عندها قرر الخليفة المنصور أن يصعد ضغوطه على الإمام فخيره بين قبول القضاء أو السجن، وكأنا بالخليفة المنصور قد تأكدت عنده الشائعات التي راجت حول دعم أبي حنيفة لثورة النفس الزكية، وأراد أن ينكل بالإمام ويؤدبه بشدة كما حدث مع الإمام مالك، فأصر أبو حنيفة على الرفض ولسان حاله يقول: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، فأمر المنصور بضربه أولاً ثم حملوه في القيود إلى سجن بغداد.
وفي السجن المظلم عانى الإمام أبو حنيفة من التضييق والتشديد وأيضًا من التهديد بالقتل يومًا بعد يوم، وقد أمر الخليفة المنصور بالتشديد على الإمام وكان وقتها على مشارف السبعين وقد وهن جسده وحطمته دروس العلم وسؤالات الناس، ومع ذلك لم يتراجع أبو حنيفة عن قراره ولم تلن عزيمته قدر أنملة، ولكن إن صمد قلبه وروحه وعزيمته وإيمانه أمام كل هذه الضغوط، فإن الجسد الواهن لم يصمد كثيرًا، فتوفي الإمام أبو حنيفة في سجنه في رجب سنة 150ه.

* وَلي كَبِدٌ مَقروحَةٌ مَن يَبيعُني
بِها كَبِداً لَيسَت بِذاتِ قُروحِ
أَبيعُ وَيَأبى الناسُ لا يَشتَرونَها
وَمَن يَشتَري ذا عِلَّةٍ بِصَحيحِ
أَإِنُّ مِنَ الشَوقِ الَّذي في جَوانِبي
أَنينَ غَصيصٍ بِالشَرابِ جَريحِ

هذه الأبيات الثلاثة الجريحة لمجنون ليلى، التي لا يعبّر فيها عن فقدانه لمحبوبته، ولكنها تعبير عميق عن فقدانه لكل فرح في دنيا الناس. هذه الأبيات برمزياتها تعبّر عن المعذبين في الأرض.
وأشهر أصحاب الأكباد المقروحة هم أهل السودان. فهل نطمع في أن يقوم الشعراء، كبارًا وصغارًا، بمجاراة هذه القصيدة، حتى نرفع بها (بيت الفراش) ونشيل بها (الفاتحة)، ونتناسى – في صبر – ليالي النكبة والوطن المغدور؟.