
استراحة قلم .. وللأقلام في كثير من الأحيان داء ورهق
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
استراحة قلم .. وللأقلام في كثير من الأحيان داء ورهق
*عزيزتي الخرطوم: ألم يكن بيننا وعد من الحلوى، وأبيات من الشعر، فنجان قهوة،
وشيء من حليب؟ ألم يكن بيننا ذاك الرجاء الذي قد يشهد التوثيق يوماً أو يخيب؟
*عزيزتي أم درمان:
ألا تزالين مثلما قال الخليل، إنك ذات لثغة وطفولة، وعَجَن وغَنَج ودلال، وبرغم ذلك ظللت تحتفظين بالمفردة صحيحة وواثقة (كالرصاص)،
كلمة كلمة وحروفها ضَجَّن، وحين تتنزل الكلمات واحدة واحدة وتضج حروفها، فهذا علامة قبول (كما يقول حجاج بيت الله الحرام).
باختصار عزيزتي البقعة (دا دلال إيه؟!!!).
*عزيزتي مدني:
لم نطلب منهم غير أن يفتحوا فيك عباءة الأشجار والنوافير والأفياء والطلاقة،
وحين يأتي الخريف يسمحون بالفيتريت بالنماء، وللضأن والماعز والأبقار بالمحبة والتكاثر، ويكفون عنا الرسوم العذاب.
يومها سوف يعود مشروع الجزيرة وينهض أحمد خير والفبارك، ويوزع العركيون الدين والعجين بلا منٍّ ولا أذى.
ويقلّد الشهيد أحمد ود طه الشهيد عبد القادر ود حبوبة أوراد السالك ودروب المسالك.
ويبايع السمانية عبد الله بن عباس مثلما يبجلون الحسين،
ويقولون بلا مواربة: سيدنا علي وسيدنا معاوية، دون أن يحسوا بأي تمزق أو استدراكات أو حرج.
ليتهم يرسلونها لأقرب سفارة إيرانية بالمنطقة قبل أن تدخل المقاطعة الأوروبية الجائرة مدخل التنفيذ، أنهم يريدون طهران تصرخ بالهزيمة، وهيهات؛ فطهران وغزة وبيروت ودمشق وصنعاء والقاهرة والخرطوم عواصم صنعت من سواعد لا ترفع الراية البيضاء.
*إلى أفراح ما بعد العيدين:
رغم ما للأفراح من مباهج وطعوم وعطور، إلا أني رأيت أن (المهاجرية) يوماً قد اقتحموا زريبة العريس (النايم في العسل) واقتادوا إبل الوراثة، ذلك التميز وتلك الأموال التي استطاع أن يقصي بها فارس القبيلة الفقير عن صنو روحه..
ورغم ذلك تجرد في كبرياء، وهب في شجاعة، وقاد الفزع، وأعاد جزءاً مقدراً من الجمال والتوابع، والعريس في ليلته الكبرى لا يبالي.
ولأن الهجاء العرفاني ـ إن صحت التسمية ـ يشفي في كثير من الأحيان صاحبه، وإن تعذى؛ فقد قالها الفارس (القمحان) وهو لا يعتب ولا يغضب، ماراً بخيمة العريس العطرة الفواحة بزخرف الحياة والغفلة عن عالم الغيب والشهادة. حينها لامسته نفحة (الريفدور):
إت متوسد الليد أم سواره وعاجه
ونحن مصنقرين قَرَّة وسموم وعجاجه
إبلك غربت قطعن نصيبات كاجه
يوم الليلة نوم باكر بتعرف حاجه
*الشمس الحارقة أكبر مؤسسة تعمل لصالح وزارة الصحة السودانية دون أن تطالب بمليم واحد في مقابل هذه المهمة العظيمة. كان عمنا قرشي عليه الرحمة يقول: (أحمدوا الله على الجهمورة دي. علي القسم كان ما كانت حراقة، الدود كان شالكم فرق إيديه).
ترى هل ستفعلها شمس ما بعد الانتصار وتقضي على حمى الضنك التي بلغت الحنك ونافست الرزيلة الضني وغيبة الدني؟
*لصعوبة الكلمات وسلاستها، ولعذوبة اللحن وكبريائه، ما زالت رائعة وردي:
(لم يكن إلا لقاءً وافترقنا)،
ورائعته الأخرى (الحبيب العائد)، عصيتان على هوجة الانتهاك التي يمارسها المقلدون ليل نهار.
ترى هل يستطيع هؤلاء الصغار أن يتغنوا بهذا المقطع الرائع من القصيدة الهامسة الخالدة:
بالذي أودع في عينيك إلهاماً وسحرا
والذي أنزل فيك الحسن إشراقاً وطهرا
لا تدعني للأسى يدفعني مداً وجزرا
أثقلت كفي الضراعات وما تقبل عذرا
*ماتت الصحافة الورقية اقتصادياً منذ زمان، لكنها بقيت تعافر معنوياً لثقة الناس فيها. ولو قُدر لها أن تصرح لقالت: إنني ميتة منذ أعوام، ولكن بعض الوقود الذي يمنحني الحياة هو أن الكلمة عند السودانيين واحدة وخالدة.
فهي من كرامات المسيح، هذا الرجل الصالح الذي كان يحيي الموتى بإذن الله. والصحافة السودانية تخلفت عن أيام اليهودية الأولى حيث سقطت مؤامرة (الصلب) وبقيت الذكرى متشحة (بالصلابة).
*رغم أن البرلمانيين قديماً وفي الفترة الانتقالية القادمة لا يصدقون مقولة شعراء الشعب وهم يحتفون بدورتهم الجديدة، لأمرنا المنشد بأن يغني بين يدي زعيم المنصة غير المختلف عليه والفائز بالإجماع السكوتي رائعة بطران:
شوف وجوه الروض باسمة منطرحة
وتضحك الأزهار ميتة بالفرحة
ليه شجرة الفل ياخي منشرحة
والورود بالمر لونه ليه محمر كأنه منجرحة
*جاءت امرأة عقيم إلى موسى -عليه السلام- وطلبت منه أن يدعو لها، فدعا لها، فقال له الله: إني كتبتها عقيماً. ثم جاءته بعد مدة تحمل طفلاً، فسألها، فقالت: ابني. فرجع موسى وسأل ربه عن ذلك؟ فقال له: كلما كتبتها عقيماً قالت: يا رحيم، فسبقت رحمتي قدرتي.
ورغم أن الحكاية لم يوثَّق لها سند في كتب صحاح السيرة والتاريخ والحديث، إلا أنها لا تؤذي أحداً ولا تجرح مشاعر أحد، وهي مدهشة. وما أشد حاجتنا في هذه الأيام إلى الدهشة. (والله تعالى على كل شيء قدير).
*وأخيراً هاتفني أحد الإخوة الأصدقاء معاتباً بأنه يقرأ يومياً عمود إسحق أحمد فضل الله ثلاث مرات ولا يفهم كلمة واحدة. فحكيت له هذه القصة مداعباً: إن الشاعر الكبير ورئيس الوزراء والقانوني والمهندس محمد أحمد المحجوب كان ينادم الفنان أمير العود حسن عطية، فاعتبه أحد أصدقائه الحضور ذات العتاب الذي قلت لي حول إسحق: (يا ريس صاحبك دا نحن ما بنفرز وما بنعرف كلامو).
فأجابه المحجوب ساخراً: (نحن عارفين كلامو بس جبناه للطرب).
بالمناسبة إسحق مهندس، وقاص، وناقد، وسينمائي، ومسرحي، وسياسي، وموثق (سبع صنائع).