
اقتصاديات التعايشي
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
اقتصاديات التعايشي
محمد حسن التعايشي، رئيس العصابة الأسفيرية المتخيلة، يرى في دراسة قدّمها لسيده وغرة عينه حميدتي حول اقتصاديات سلطته المزيفة بأن يكون أساسها الراسخ كلّ المنهوبات والمسروقات، بأن يصدر أمراً ثورياً بتسيلها أو تشحن عيناً إلى نيالا. وهذه أول مرة في التاريخ تسعى فيها سلطة — مهما كان رأينا فيها — بأن تجعل رأس مالها في التنمية مالاً حراماً، أخذ من عرق الملايين بيد اللصوص والقتلة والمغتصبين. ولأن للرجل تاريخ نفاق في حزب الأمة وكيان الأنصار، ذلك الكيان الذي أصبح للأسف مصدراً لتصدير العملاء لكل التيارات المدنية والعسكرية المعادية للوطن والدين، ولكل هذا الأثر الذي تنكر له هذا المعتوه المستخدم، فنرفده بثلاثة حكايات حول السرقات التي يريد أن يقوم عليها صرحه الاقتصادي الشيطاني الحافل بالدم والآثام.
حدثني أحد الأصدقاء من أبناء كردفان عن التموين والتشوين للمليشيا من أي مصدر ومن أين يأتي؟ في تلك البوادي الطيبة فحكى لي هذه الحكاية: إن اثنين من الرعاة كانوا يجوبون بقطيعهم الخلاء الكردفاني الآمن قبل ظهور هذه العصابة بحثاً عن الكلأ. فتوقف يوماً عندهم (تاتشر) عليها مجموعة من عصابة دقلو المدجّجة بالسلاح وبجواره بطاح، وطلبوا منهم أن (يرفعوا) عشرة خرفان شحماً ولحماً مما يرضون لغدائهم. فقال لهم الراعي بتهذيب عرف به تلك القبائل: إن هذا القطيع ليس ملكي وإنما أنا مأجور لرعايته براتب معلوم ولا يحق لي التصرف فيه، ولكن إكراماً مني لكم فأني سأهديكم واحداً وسوف أتحمل قيمته عند أصحاب (المراح). قالوا له: إلا عشرة وإلا… وقبل أن يرد عليهم أردوه قتيلاً، وحملوا العشرة خراف، وقد سقط الرجل الذبيح وهو يتأوّه ويلفظ أنفاسه الأخيرة كأنما هي سمفونية عذاب في هذا الوادي الكئيب المستباح. اختفى زميله تحت شجرة قريبة، وروى الحكاية لأصحاب القطيع. فجأة انطلقت القرية صاحبة المأساة ودفنت قتيلها المظلوم وهي تفكر: إلى أين الملجأ والملاذ؟ وأين سيذهبون بأنعامهم وأين يذهبون بأنفسهم؟.
الحكاية الثانية تقول إن الجراد حين اقتحم مدينة جياد الصناعية استولى على كل السيارات، وحين فاضت عن كفايته أصبح يستجلب المواطنين من الشارع العام ليأخذوا منها ما يختارون. شابان من أبناء الجزيرة كانوا من ضمن الذين أُحضروا إجباراً وطلبوا منهم أن يأخذوا السيارات التي يختارون تنفيذًا لأمر القائد العام للمليشيا. تم كل هذا تحت تهديد السلاح. فقال أحدهم في كبرياء عرف به أهل السودان عامة وأهل الجزيرة خاصة: إني لن آخذ سيارة ليست ملكي ولا أعرف مصدرها؛ فهذا يتنافى مع أخلاقي وديني ومروتي. فقال له أحد الأوغاد بلغة ركيكة: «أنت داير تورينا الأخلاق»، وكان جزاؤه أن نزلت رصاصات مذقت صدره ورأسه، فأضطر قريبٌ له أن يصعد للسيارة بعد أن استأذنهم باكيًا ليحمل جثمان صديقه ورفيق دربه، فأذنوا له بعد طول تردد. وصل القرية فكان الخبر وكانت الفاجعة، واحتفظوا بالسيارة الحرام بجوار القبر الحلال حتى قام الجيش بتحرير الجزيرة فسلموها للدولة والشرعية.
أما الحكاية الثالثة فقد حكاها لي أحد الأقارب الذي حمل طفلته ذات الخمس أعوام إلى إحدى مستشفيات الجزيرة، وقد تورّم وجهها بصورة مرعبة وفقدت سمعها وخفت بصرها. وأمام الطبيب حكى الأب الجريح قصة طفلته المريضة: قال إن مجموعة من عصابة الدعم السريع اقتحمت قريتهم الآمنة بشرق الجزيرة التي لم يدخلها شرطي منذ أن أُسِّست، ولم يذهب أحد منها شاكياً لنيابة أو لمحكمة. سرقت العصابة كل شيء؛ كانت البداية سيارات النقل والمعدات الإلكترونية والأثاثات والهواتف ودكان القرية، وحين نهبوا كل شيء أمروا سكان القرية أن يحصروا لهم الدجاج ويحملوه على ظهورهم كآخر مورد للقرية المنكوبة. قال الأب: وأثناء خروجهم من منزلي كانت ابنتي (أشراقة) تعلق في أذنيها قرطاً (حلقاً من الذهب) اشتريته لها في إحدى مناسبات القرية بعد إلحاح والدتها. رغم شح الإمكانيات حاول المعتدون انتزاع الحلق الذهبي من أذنها بيسر، ولكن يبدو أنه كان محكماً، ولأنهم كانوا في عجلة من أمرهم فقد انتزعوه انتزاعاً واقتلعوا النصف الأسفل من الأذنين فسقطت الصبية مغشياً عليها. وبقية القصة البشعة نتركها لفطنة القارئ، لأن النهاية كانت للأسف مأساوية بحيث أنها لا تصلح للنشر.
وإذا كانت لنا رسالة أو برقية يمكن أن تُرسل إلى هذا المجرم الخائن العميل التعايشي — وأنت تتفقد ممتلكات اقتصاديات العصابة نستحلفك بالله الذي لا تعرفه أن تحدّق مليًّا في المصوغات المسروقة — فإن وجدت أقراطاً ذهبية صغيرة مضمخة بالدم فهي أقراط أشراقة القتيلة، ابنة الوسط. هذا الوسط الماهل الذي حماك وعلمك وجعل منك رجلاً وحزبياً من حزب صاغ الاستقلال فصار الآن سوقاً للنخاسة الحزبية وزريبةً لتوريد الأفراد في جيش المرتزقة لقاء دراهم معدودات. هذا الوسط الشريف العفيف الذي بعته أنت ومجموعتك الساقطة بمناصب خواء وزعامات هراء. واعلم أنك مهما فعلت ومهما تقلبت في نعيم العصابة الكذوب وممولها الأجنبي فإنك عاجلاً أم آجلاً ستدفع الثمن على يد الشعب في هذه الفانية وفي الآخرة، التي لو استغنيت عنها ما كنت تجرو على هذا الدور القذر الذي ارتضيته لنفسك ولطخت به اسم التعايشي الكبير الذي استشهد على ثرى السودان دفاعاً عن وطنه ودينه وعقيدته ضد الباطل وضد الأجنبي (والاسم سليم).