
في أدب الإمتاع والمؤانسة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
في أدب الإمتاع والمؤانسة
1
من الأفكار التي يجب أن تُدرَّس في كليات الزراعة وفي مشروع الرهد والجزيرة ومشاريع زادٍنا القول المأثور لحكَماء المسلمين: (للزرع ألف آفة ليس فيها أعظم من جور السلطان).
2
اتخاذ المواقف العامة والشخصية لا تحتاج لكثير قراءة وبحث واطلاع وتنظير وتساؤلات؛ فالحق والباطل وإن تخفيا، فإن إحدى المناهج الصحيحة في معرفتهما موهبة الفراسة. ومن لطيف ما قرأت في ذلك أن فقيهًا لَقِيَ المنصور في الطواف — والفقيه لا يعرفه — فأمسك من يديه وقال:
“أتعرفني؟”
فقال: “لا أعرفك، ولكن قبضتك قبضة جبار.”
3
لم أسمع شعرًا يعبر عن حالة المبدع العربي مع السلطان العربي حين تَضمحِل الموهبة ويدير الزمان ظهره وتكف الأيدي عن التصفيق ويغادر الوجه الملاحة واللسان الطلاوة، أصدق من أبيات هذا الشاعر حين عبّر عن هذه الحالة البائسة بقوله:
ويوم سمين ويوم هزيل
ويوم أمرّ من الحنظلة
وليل أبيت جليس الملوك
وليل أبيت على مزبلة
4
ومن القصص التي كنا نتأسى بها في أيام السجن وليالي الاعتقال منذ أيام الطلبة الأولى حتى آخر اعتقال في حكومة أوغاد “الحرية والتغيير”؛ وقد عافرنا وعاقرنا السجون في كل الأنظمة فلم نجد ألمًّا أشد من سجنهم وظلمهم. ولكل سجن حكايات وقصص تصلح للتدبر مرهمًا للصبر والاحتمال. ومن الحكايات التي ما زالت في الخاطر حكاية الإمام أحمد بن حنبل في السجن مع صاحبه السارق الفاتك، وهي شهيرة ومتداولة في أدب السجون؛ قال الشاهد:
جلس الإمام أحمد بن حنبل في سجنه مع بعض المجرمين، وكان من بينهم لص شهير، وكان هذا اللص يحترم ابن حنبل ويشفق عليه في محنته، وكثيرًا ما هرب له طعامًا طيبًا من خارج السجن. وذات يوم لاحظ اللص أن ابن حنبل يتألم من جراح التعذيب، فمال عليه وهمس له: “إنهم يعذبونك، أليس كذلك؟”
فقال ابن حنبل: (—)
فقال اللص: “ولكن، لعلمك يا مولانا، كثيرًا ما عذبوني لأعترف بما سرقته، ولكنني كنت رجلاً ولم أعترف أبدًا. كنت أحتمل الضرب صابرًا؛ أفعل هذا وأنا على الباطل، فكيف وأنت على الحق؟! إياك أن تضعف يا إمام؛ يجب ألا يكون رجال الحق أقل احتمالًا من رجال الباطل.”
واستمر ابن حنبل يقاوم. وكلما ضعف تذكر كلمات اللص. وظل الإمام سنوات في محنته ثابتًا كالجبل، وانهزمت الدولة كلها أمام رجل واحد، وخمدت الفتنة وتوقفت إراقة الدماء، وأفرج عن ابن حنبل. خرج فمكث فترة في بيته يعالج من جراحه، ثم تذكر صاحبه في السجن فسأل عنه فقيل له إنه مات. فذهب يزور قبره ودعا له، ثم شاهده في المنام فرآه في الجنة فسأله: “ما الذي أدخلك الجنة؟” قال له: “تاب الله عليّ بعد أن نصحتك أن تتحمل وتصبر على العذاب في سبيل إعلاء كلمة الله.”
5
كان لي صديق عراقي مثقف وصاحب علم وأدب وعمق في الأفكار والسياسة؛ كان يقيم بالسودان حين كان السودان وقتها يسع أهله والأشقاء والغرباء قبل محنة البشير وسقوط آخر الأنظمة التي تستحق الاحترام النسبي في تاريخنا السياسي. كنت يومها أُعابِث الأخ الصديق العراقي ببعض الأحاديث والنوادر حول أهل العراق — وما أكثرها من نوادر وأقاصيص وحكايات — فكلما كانت الشعوب ذات قيمة وإضافة ازدادت حولها السخريات الصغيرة والكبيرة. أما المدائح والإشادة فزبائنها في العالم العربي قليلون. ومن هذه اللطائف التي كان يضحك لها صاحبنا كثيرًا بلا تعليق حكاية الوليد بن عبد الملك: حين قرر بناء مسجده في دمشق الجامع الأموي أمر أن يأتيه كل رجل بلبنة واحدة (طوبة من حجر). ففعلوا إلا عراقياً كان يأتيه بلبنتين (طوبتين). فسأله: “من أين أنت؟” قال: “من العراق.” فقال الوليد: “يا أهل العراق تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة.”
6
ما أعظم الإشادات والشهادات حين تأتي من إمبراطور جبار ومالك لنصف الكرة الأرضية مثل أمير المؤمنين المنصور صاحب البطش والصولجان والهيبة. ومن مآثر الشعر السوداني العامي قصيدة “عتيق المعتق” في (ناعس الأجفان) وبيت القصيدة فيها:
ﻓﻴﻚ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﻣﺤﺼﻮﺭ
ﺃﻛﻈﻤﺖ ﻛﻞ ﺣﺴﻮﺩ ﻭﺣﺴﻨﻚ ﻣﻘﺎﻣﻪ ﻳﺴﻮﺩ
ﻋﻠﻲ ﻛﻞ ﺟﻴﻞ ﻓﻲ ﻋﺼﻮﺭ
ﻃﺮﻓﻚ ﻟﺤﺎﻇﻪ ﺗﺮﻳﻊ ﺃﺳﺪﺍ ﺷﺠﺎﻉ ﻭﻫﺼﻮﺭ
ﻟﻴﻚ ﻧﻔﺮﺓ ﺍﻟﻐﺰﻻﻥ ﻣﻊ ﺟﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﺮﺳﺎﻥ
(في هيبة المنصور)
وما أعظم الشهادة التي تأتي من أمير في قامة المنصور في حق فقيه زاهد وشجاع مثل عمرو بن عبيد. ومما وثقته كتب التاريخ عن العصر العباسي أن عمرو بن عبيد كان صديقًا للمنصور قبل الخلافة، فجاءه بعد استخلافه ليحاوره في الشؤون العامة وكاشفه بحقيقة الأوضاع السائدة. فلما أراد الخروج عنه قال المنصور:
“لقد أمرنا لك بعشرة آلاف.”
قال عمرو: “لا حاجة لي فيها.”
المنصور: “هل لك حاجة يا أبا عثمان؟”
عمرو: “نعم.”
المنصور: “ما هي؟”
عمرو: “أن لا تبعث إلي حتى آتيك.”
المنصور: “إذن لا نلتقي.”
عمرو: “هي حاجتي.”
فمضى واتبعه المنصور ببصره وأنشد:
كلكم يمشي رويد
كلكم يطلب صيد
غير عمرو بن عبيد
7
في زمان غير بعيد في تاريخنا العربي والإسلامي كان الثوار ممن المظلومين والمعذبين يتنادون وينادون بعض السلاطين من أهل العهد والمروءات أن يفيضوا عليهم بماء رزقهم وعدهم ومناصرتهم ومجابهتهم للطغاة والفاسدين. وقد أعجبتني رسالة بشر بن هارون إلى الأمير الفاطمي مستنجِدًا بعد التغيير الوزاري الذي طال إمارته، ومما وثق في هذا أن بشرًا قال:
مضى من كان يعطينا قليلاً
ووافى من يشح على القليل
وأحسب أن سيملكنا مكدٌّ
متى أطّرَدَ القياس على الدليل
فقل للفاطمي لقد تراخت
ناتك في الحلول وفي الرحيل
فحث السير على الله يهدي
شفاء منك للبلد العليل