الأنس في السبت صدقة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي
الأنس في السبت صدقة

* مررت بالخرطوم ليلاً فوجدتها غافية وهي لا تدري الذي يُنصب لها ويُعد. ورأيت الأحياء تهجع في دعة القلق، وتتقلب تقلب الملدوغ، فلاح لي القريض:

يا أيها الراقد كم ترقدُ
قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليل ولو ساعةً
تحظى إذا ما هجع الرقدُ
من نام حتى ينقضي ليله
لم يبلغ المنزل لو يجهدُ

*أيام الثورة العربية الكبري، كان يوسف طلعت الشهيد يوماً كان رجل بسيط وكان مجرد “صنايعي” رقم تعليمه القليل كان عالما متواضعا، وقبل أن يلتقي بالشهيد حسن البنا وقد صنع منه بطل القنال الأول، طلعت الذي دوّخ الإنجليز فدفعوا لرأسه في الخمسينات 100 ألف دولار، وكانت يومها ميزانية إفريقيا بحالها —
كان طلعت يقول: “كلما فاتتني صلاة الجماعة بكيت، لأنني أتذكر خطبة البنا وهو يحكي قصة حاتم الأصم عليه الرحمة: فاتتني صلاة الجماعة مرة فعزّاني أبو إسحاق النجاري وحده، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا.” قال الشاهد: “وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يعزّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعاً إذا فاتتهم الجماعة.”

* قيل إن رجلاً جلس يوماً يأكل هو وزوجته وبين يديهما دجاجة مشوية، فوقف سائل ببابه، فخرج إليه وانتهره وأغلظ له بالقول، فذهب السائل حزيناً منكسر النفس. ويشاء الله بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته وطلّق زوجته، وتزوجت بعده برجل آخر. فجلس يأكل معها في يوم من الأيام وبين أيديهما دجاجة مشوية، فإذا بسائل يطرق الباب. فقال الرجل لزوجته وكان جواداً كريماً: “ادفعي إليه هذه الدجاجة.” فخرجت بها إليه، فإذا هو زوجها الأول! فدفعت إليه الدجاجة ورجعت وهي تبكي. فسألها زوجها عن سبب بكائها، فأخبرته أن السائل كان زوجها الأول، وذكرت له قصتها معه. فقال لها زوجها “الحالي”: “أنا والله ذلك السائل.”

* ومما كنا نكتبه ونتداوله أيام الطلب حين كانت تأسرنا الأحرف موقف الإمام الحسن البصري؛ فقد قيل إنه لما قيل له إن فلاناً اغتابك، قام ودخل السوق واشترى له طبقاً من الرطب الجيد هدية وأرسلها له. فأتى الرجل وقال: “أغتبتك فأهديت إليّ؟” فقال الحسن: “أهديتَ إليّ حسناتك، فأردت أن أكافئك.”

* صحيح أن فقدان حلفا كان صعباً على كل سوداني حر ومحب لهذه الرقعة التي مهما استطالت فهي عندنا ليست أطول من ذراع، والحبيب صغير ويده طولى… ولكن ما أصح منه أن الحلفاويين أهدوا وسط السودان دفئاً وتحضراً وابتسامة، رغم أنف القصائد الجميلات اللئيمات:
يا حليلك قبيل وكتين نداك بي زيقو
وزن الريش نزل كبد الليالي فريقو
ضراك ديش حلفا الله يعيقو
سوالك فعالاً نفسي ما بتطيبو
إن مصر الحياة الشقيقة تستحق أكثر من ذلك، فنحن لم نمنحها حلفا، لكننا منحناها لأنفسنا. فلنتعاون على سد مصيبة سد النهضة، فاليالي القاتمات قادمات.

* ورغم دعواتهم، كانت كتابات جمال محمد أحمد هي الأحلى، ونقابة الراحل فتحي خليل هي الأطول عمراً، ومشروعات أسامة هي الأكثر أناقة. أخي الوزير، حتى تُخلي مقعدك غير الوثير، احذر أعداء العقول ولصوص المودّات والمؤمنات السعاة والنمّامين… إلى ذلك المخبر الذي لا يصدقه لا أولئك ولا هؤلاء. دعك مما تفعل، فقد رفع من ترفع لهم التقارير هذه اللوحة بهذه الأبيات:
قل للذي لست أدري من تلونهُ
أناصحٌ أم على غشّ يناجيني
إني لأكثر مما سميتني عجباً
يدٌ تشيح وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتـمدحني
في أخرى وكلٌّ عنك يأتيني
هذان شيئان قد نافيت بينهما
فاكفف لسانك عن شتمي وتزييني

* ومن مكارم آخر الأسبوع عند العلويين والشيعة قول علي رضي الله عنه: “إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكّر لها يوم الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسي، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، وأم الكتاب، فإن فيها حوائج الدنيا والآخرة.” فما رأيكم في هذه الرُشْتة التي لا تحتاج إلى صف طبيب ولا إلى رسم دخول؟

* ” السبابة” — بتشديد الباء الأولى — هم حاملو الخضار بالحمير للأسواق القريبة، فلا ما يحملونه يقضي كل تكاليف المعاش، ولا الحمار يبلغ المسافات البعيدة. وكانت والدتنا الشريفية زينب بت الشريف طه، وحفيدة الشهيد الشريف أحمد ود طه، حين تسخر ممن يطلبون شيئاً صعباً ليس لهم إليه من مادة أو سبيل، تقول ساخرة: “بعيد الريف على السبّابة.” والريف هي مصر عند أهل السودان. وقد جاء زمان صار الخضار والحمار بعيدان عن السبابة يا بت الشريف. أما بلاد الريف فليس لها من سبيل إلا بالدرب التحت.

* قال الذي له جمال وعقل، وأضاف آخر: “إذا أرسلتم رسولاً في حاجة فاتخذوه حسن الوجه، حسن الاسم.”
فهل أنا في حاجة لإيراد أصحاب القبح رسماً واسماً؟ وهل عرفتم لمَ أغلب حاجاتنا عند الغير مردودة؟! وهل أدرك الناس حاجة الاتحاديين إلى زُرُوق لا إلى مسروق؟ وحاجة الأنصار للمحجوب لا للمغضوب؟ وحاجة الإسلاميين لمحمود شريف لا لمحقور خفيف؟ والقائمة طويلة.