
ثلاثية الأحد
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
ثلاثية الأحد
حكاية قرية مغدورة في دارفور اسمها مبروكة
قرية من دارفور اختار لها أهلها مكانًا خصيبًا في قلب الوادي، محفوفًا بضياء الصحراء وخضرة غابة قريبة غريبة مثمرة، فيها خلوة كبيرة وعريقة يكثر فيها الحُفّاظ رجالًا ونساء. وكان خُلُقها القرآن، متمثلًا في صفة سيدها المصطفى صل الله عليه وسلم. والعفيفات هنالك لا يتزوجن إلا بعد أن يحفظن أجزاء مقدرة من القرآن، وكذلك الشباب، ولذلك سُمّيت بـ (المبروكة).
كانت سبل كسب العيش فيها تقوم على المخمسات من الفول والدخن وحب البطيخ. وعلى أطراف المزارع التشاركية يتجول في دَعَةٍ وطمأنينة “مراح” القرية من الأغنام والأبقار والجمال ذات الأصول التي عُرفت بها القرية. عاشت هذه القرية سنوات طويلة لا يعكر صفوها حادث غادر ولا حديث مسموم، حتى استكانت لهذه السكينة ورضيت بها. ولكن متى استدام صفو الأيام وحنان الليالي؟
استيقظت ذات ليلة، قبل أشهر، على عصابة مدججة بالسلاح من جراد الشتات الذي نزل على دارفور الحبيبة كالوباء والعاصفة السوداء. اجتاحوا القرية الآمنة المطمئنة من جهاتها الأربع، وأعملوا فيها قتلًا وتدميرًا وترويعًا واغتصابًا وإحراقًا، ثم حملوا كل شيء على جيادهم الملعونة وسياراتهم المعدّة لمثل هذه الجرائم والهزائم.
ذهلت القرية من الحدث الدامي، الذي لم يكن في الحسبان ولا في الخيال. وعندما أفاقوا من هول الصدمة، حملت عجائز القرية الصبايا المغتصبات إلى خيمة كبيرة، وبدأن في تجفيف الجِراح الظاهرة. أما الغائرة فلا ولن تندمل، وإن طال الزمان. وحمل الرجال المكلومون الجثامين الطعينة إلى مقبرة القرية القريبة، وكانت تتجاوز الأربعين قتيلًا.
وبعد صلاة الجنازة، وقف شيخ الخلوة معزّيًا أهلها، وكان آخر ما قاله:
(لو أننا بَتَرنا لما قُتِلنا).
فرد عليه حكيم القرية وعمدتها، الذي تم تنصيبه بالتراضي علمًا وخلقًا وحكمة:
(إن قولك يا شيخنا شرعي وصحيح، لكننا لو عدلنا لما بَتَرنا، وما قَتَلنا، وما قُتِلنا.)
ثم تلا أحد الأطفال الحفّاظ، على أعتاب القافلة الحزينة المغادرة، الآية المحكمة بصوت رصين وحزين:﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
وأعقبها بالآية المحكمة في شأن الفساد في الأرض:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
ومن غرائب الحدث زمانًا ومكانًا أن أحد الصحفيين الشباب من أبناء القرية، وكان يعمل في إحدى المنظمات، كان حاضرًا. فابتدر تعليقه حول الحادث قائلًا:
(نحن – للأسف – في زمان حضارة مادية تهتم بالمجرم الحاضر في القيد والمحاكمة، وتهمل الضحية المغدورة المغيبة في القبر والضمير).
أقداح وأفراح
كثيرون هم الذين يريدون الإسلام أو السلام أو الاستسلام، ولكن الشيطان يمسك عنهم قدح الماء، فلا هم شربوه ليرتووا، ولا قذفوا به ليسلموا. ومن عجائب التاريخ أن أمثال هؤلاء من الملوك وأبناء الملوك لا ينسون عزهم القديم، وإن ادّعوا الإسلام. فقد قيل إن آخر رجل قابله أبو لؤلؤة المجوسي حين قتل الخليفة عمر رضي الله عنه كان الهرمزان، هذا الذي قُتل بعد ذلك على يد عبيد الله بن عمر (وهو غير عبد الله بن عمر).
وقد قال بعض الصحابة بوجوب قتل عبيد الله، فقال كبار الصحابة: “أيُقتل أبوه بالأمس ويُقتل هو اليوم؟” فدفع عنه عثمان رضي الله عنه القَوَد واكتفى بالدية، وكانت من أولى المصاعب التي واجهها عثمان في الأسبوع الأول من بيعته.
قال الشاهد: وأُحضر الهرمزان بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مأسورًا، فدعاه إلى الإسلام فأبى، فأمر بضرب عنقه. فقال: يا أمير المؤمنين، قبل أن تقتلني اسقني شربة من ماء ولا تقتلني ظمآن. فأمر له عمر بقدح مملوء ماء، فلما صار القدح في يده قال: أنا آمن حتى أشربه؟ قال: نعم لك الأمان. فألقى الهرمزان الإناء من يده فأراقه، ثم قال: الوفاء يا أمير المؤمنين. فقال عمر رضي الله عنه: دعوه حتى أنظر في أمره.
فلما رُفع السيف عنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقال عمر رضي الله عنه: لقد أسلمت خير الإسلام، فما أخرك؟ قال: خشيت أن يُقال إني أسلمت خوفًا من السيف. فقال عمر: إنك لفارس حكيم، استحققت ما كنت فيه من الملك.
ثم إن عمر رضي الله عنه بعد ذلك كان يشاوره في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه.
اختارت شظف الريف على ترف الزيف
ولما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية رضي الله عنه، ونقلها من البادية إلى الشام، كانت تُكثر الحنين إلى ناسها، وتتذكر مسقط رأسها. فاستمع إليها ذات يوم، فسمعها تنشد وتقول:
لَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأرواحُ فيهِ … أحبُّ إليّ من قصرٍ منيفِ
وأكْلُ كَسيرةٍ في كِسر بيتي … أحبُّ إليّ من أكْل الرغيفِ
وأصواتُ الرياحِ بكل فجٍ … أحبُّ إليّ من نقر الدفوفِ
ولُبسُ عباءةٍ وتقرُّ عيني … أحبُّ إليّ من لبس الشفوفِ
وكلبٌ ينبحُ الطُرّاقَ حولي … أحبُّ إليّ من قطٍّ ألوفِ
وبكرٌ يتبعُ الأظعانَ صعبٌ … أحبُّ إليّ من بغلٍ زَفوفِ
وخرقٌ من بني عمي نحيفٌ … أحبُّ إليّ من علجٍ عنيفِ
ليت كل الذين استقروا في المهاجر والمنافي – برغم ما فيها من ترفٍ مُزيّف ومؤقت – قرأوا أبيات ميسون التي أبَتْ في سبيل ريفها كل زيف المدينة، وهاجمت كل ما فيها حتى زوجها الخليفة.
ورحم الله معاوية، المسامح الكريم، الذي قيل في إحدى الروايات إنه طلّقها وأعادها إلى أهلها بالهدايا، ثم علّق مبتسمًا: “ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجًا عنيفًا.