إلى من يهمه الأمر .. سلام

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

إلى من يهمه الأمر .. سلام

1/ في كثير من الأحيان هنالك الكثير من المواطنين الذين يخفون في أنفسهم خوفا متخيلا من أولياء الأمر مما يفسدهم ويفسد الحكام. ومن أصدق ما قرأته في هذا الباب أن :
سأل أحد الخلفاء الراشدين رجلا عن شيء فقال أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم! فغضب الخليفة وقال إني لم آمرك بان تزكيني.
2/ في ليلة أنس مع مجموعة من القيادات العسكرية قبل سنوات قلت لهم متعجبا إن السودان رغم المخاطر التي تعتوره والأعداء الذين يحيطون به الا انه يظل البلد الوحيد في العالم الذي لا يكتب قسرا ولا اختيارا فضيلة التجنيد الاجباري. حتى اذا ما قام الحاكم باصدارها خرجت النساء ثاكلات وخرج الأباء مغاضبين فانثلمت الثغور واجتاح العدو المدن بل اقتحم البيوت وصار الخاص والعام في أيدي الناهبين والغاصبين والعابرين الحدود من اجل السلب والنهب والاغتصاب. قالو فماذا ترى؟ فحكيت لهم قصة تسلسل الهروب من التجنيد التي رويت في كتب التاريخ العربي. وقلت لهم ممازحا فاختاروا منها ما يناسب الحالة.
ذكر ابن الأثير في سفره الشهير أن من يهرب من الجيش في عهد الخلفاء الراشدين كانت تنزع عمامته ويشهر في الناس، ثم قال مصعب بن الزبير لما حكم العراق: ما هذا بشيء وأضاف لها حلق الرؤوس واللحى، وابتكر بن مروان اثناء حكمه للعراق طريقة التسمير حيث يرفع الهارب عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط فربما مات وهو مسمر وربما خرق المسمار كفه فسلم، أما الحجاج فقال هذا لعب، أضرب عنق من يخلو مكانه في الثغر.
3/ كان سعيد بن المسيب عليه الرضوان لا يخشى في الحق لومة لائم، لا في نصح العامة والدهماء ولا في نصح المالكين والحكام والأمراء. وكان الرجل عليه الرضوان صحيفة ناقدة متحركة يخشاها الجميع لانه كان يخشى الله. وقد أرسل اليه يوما عبد الملك بن مروان أمير المؤمين وعلى شدته كان عالما وفقيها وأديبا وكان يحب مجالسة العلماء والفقهاء والشعراء ولا يبالي بما يقولون. وقد استدعى يوما سعيد بن المسيب واستفتاه قائلا: صرت أعمل عمل الخير فلا أسر به، واعمل عمل الشر فلا أساء به، فقال له سعيد: الآن تكامل فيك موت القلب.
4/ من ألطف ما قرأته حول التشكيل الوزاري والتغييرات في الرئاسات والولايات ما قرأته عن العادل التقي الفقيه عمر بن عبد العزيز الذي حين ولي وجد حفنة من حكام الولايات في الولاية التي سبقته، فأطلق عبارة موحية ولاذعة تشكل خارطة للاستبداد في بلاد المسلمين والامبراطورية المسلمة آنذاك. نظر في الحكام فقال: (الحجاج في العراق والوليد في الشام قرة بمصر وعثمان بالمدينة وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا جورا وظلما!) وقد اجهدت نفسي في فحص معلومات مؤكدة عن هؤلاء المستبدين الذين قام الخليفة السادس بعزلهم وارجو ان اجد وقتا لاكمال البحث فيهم وعنهم.
5/ كان السلف يعبرون عن الثروات والاقتصاد والاستخدام غير المتحضر للثروات بقيمة العملة حيث يقولون دائما الدرهم والدينار تعبيرا عن التفاوت الطبقي في استخدام المال بلا رشد ولا روية ولا برنامج ولا فكرة. وقبل أن نغادر محطة عمر بن عبد العزيز فلنستمع جميعا له في هذه الجملة المبينة الراشدة، ونهديها الى ولاة امرنا في الاقتصاد والتخطيط بقيادة وزير المالية ومحافظ بنك السودان، ووزير المعادن، والضرائب والجمارك ووزارة التجارة والصناعة والأسواق وبقية المكوس. يقول عمر بن عبد العزيز: ما اختلفت هذه الأمة في ربها ولا نبيها ولا كتابها وانما اختلفت في الدرهم والدينار.
6/ من لطائف شيخ يوسف إبراهيم النور والذي كان بعد نهاية درس التفسير بمسجد الملازمين يامر أحد تلاميذه بقراءة مجموعة من لطائف العلماء ونوادرهم، وقد قرأ عليه يوما الاخ الدكتور علي عثمان حسن التوم استاذ التربية بالجامعات السودانية واحد تلاميذه المقربين حكاية سفيان الثوري الفقيه العالم المحدث، الذي قال (من تبسم في وجه ظالم واوسع له في المجلس فقد نقض عرى الاسلام وكتب من جملة الظلمة) فرد شيخ يوسف قائلا (يا حليلك يا علي يا ابوعزيبة، زي ديل وين نلقاهم عشان نبتسم في وجوههم او نوسع لهم في المجالس)
7/ اخترت لأحد الأصدقاء وقد سمعته كثير الحديث في أعراض الناس ودمغهم بالسوء فأرسلت له نصيحة إياس بن معاوية فرد علي والله لن أعود إليها فأرسلت له رسالة قلت فيها وأيضا سأحاول أنا فاسأل لنا الله التوفيق. وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، قال سفيان بن حسين: ذكرتُ رجلًا بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي وقال: أغزوتَ الروم؟ قلت: لا. قال: فالسِّندَ والهندَ والتُّرك؟ قلت: لا. قال: أَسْلِمَ منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُّرك، ولم يسلمْ منك أخوك المسلم! يا صاحبي، قال ربك في وصف المؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}. فإياك أن تجعل الأدوار معكوسة! إياك أن تكون أقوى معاركك مع أرحامك وجيرانك وأصدقائك، وإياك أن يسلم منك من كان يجب أن تُحاربه، ويظهر بطشك على من كان يجب أن تُسالمه!
8/ حشية بعد المتون
هذا العنوان (إلى من يهمه الأمر سلام) هي العبارة التي كان يصدر بها الزعيم الشهيد إسماعيل الأزهري عليه الرحمة خطاباته إلى أعوانه في الحزب ووزرائه في الحكومة.