
الحكمة أنثى والفضائل حرائر
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الحكمة أنثى والفضائل حرائر
من أشهر الأحاديث في فقه الزواج حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح:
(تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك).
ولكن للإمام الماوردي رأي عارض غير معارض، يعمِّم اللطائف والتأملات، فقد شاع قوله: “ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع، وإلا استحقرته: بالسن والطول والمال والحسب، وأن تكون فوقه بأربع: بالجمال والأدب والورع والخلق.”
2
كانت شلتنا في الجامعة تتسامر حول أكواب الشاي ببعض القصص العربية، حيث يتبرع كل واحد بحكاية، ويطلب من كل واحد تعليقاً عليها.
وعندما قرأ صاحبنا الشاعر سبيل هذه الحكاية الموحية، وجاء دوري في التعليق، قلت — وهو نبش في الذاكرة قديم —: رحم الله أهل المدينة، فقد كان الفقيه منهم مفتياً وظريفاً، وكانت الجميلات يومها متمردات ومثقفات.
تقول الحكاية:
كان أبو حازم الأعرج من فضلاء التابعين، وله في الزهد والورع أخبار وأحاديث، وقد خرج يوماً يرمي الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر قد فتنت الناس بحسن وجهها وألهتهم بجمالها. فقال لها: “يا هذه، إنك بمشعر حرام وقد فتنتِ الناس وشغلتِهم عن مناسكهم، فاتقي الله واستتري، فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن).”
فقالت: “إني من اللائي قيل فيهن:
أماطت كساء الخز عن حر وجهها
وألقت على المتنين برداً مهلهلا
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة
ولكن ليقتلن البريء المغفلا”
فقال أبو حازم لأصحابه: “تعالوا ندعو الله لهذه الصورة الحسنة ألا يعذبها الله بالنار.”
فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمنون. فبلغ ذلك الشعبي فقال: “ما أرقكم يا أهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال: أغربي عليك لعنة الله!”
3
قال أصحاب الأدب وتاريخه في أمر النساء الشاعرات إن سُلمى بنت القراطيسي كانت آية عصرها في الجمال والأدب والذوق والجرأة.
وقد كتب فيها شعراء عصرها الكثير من القصائد، فكانت ترمي بها جانباً وتقول ساخرة: “لم يُنصفني أحد، لكنني سأنتصف لنفسي.”
فكتبت قصيدتها التي صارت واحدة من أغنيات المجالس والأفراح: عُيونُ مَها الصريم فِداءُ عَيني
وَأَجيـادُ الظبـاءِ فداءُ جيدي
أُزيّــن بِـالعقودِ وإنّ نَحـري
لأزيـنُ لِلعقـودِ مـن العقـودِ
وَلا أَشـكو مـنَ الأوصـابِ ثِقلاً
وَتَشـكو قـامَتي ثِقـلَ النهودِ
4
قابلت يوماً أحد رجال التربية وقد زارنا في الصحيفة، فقلت له مغاضباً:
“من هم هؤلاء الجهلة والأغرار الذين يضعون المناهج في الأدب والتاريخ والتربية الدينية كأنهم لا عرفوا أدباً ولا ديناً ولا تاريخاً ولا حسن اختيار؟”
وكأنه أراد أن يمتحنني، فقال: “دع اللوم، وامنحني الآن تجربة أعرضها على إدارة المناهج.”
ومن حسن حظي أنني كنت قبل يوم أطالع ديوان شاعر النيل حافظ إبراهيم، فناديت على مدير المكتب وطلبت منه أن يصوّر لي صفحة هذه القصيدة التي بقيت في القلب والعقل والذاكرة، وأرجو من كل قلبي أن يحفظها كل أب وأم، وكل ابن وابنة، وكل طالب علم أو طالبة مهنة، وكل من له دور اجتماعي أو قيادي.
يقول حافظ رحمه الله في قصيدته الغراء: مَن لي بِتَربِيَةِ النِساءِ فَإِنَّها
في الشَرقِ عِلَّةُ ذَلِكَ الإِخفاقِ
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها
أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا
بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى
شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
أَنا لا أَقولُ دَعوا النِساءَ سَوافِراً
بَينَ الرِجالِ يَجُلنَ في الأَسواقِ
يَدرُجنَ حَيثُ أَرَدنَ لا مِن وازِعٍ
يَحذَرنَ رِقبَتَهُ وَلا مِن واقي
يَفعَلنَ أَفعالَ الرِجالِ لِواهِياً
عَن واجِباتِ نَواعِسِ الأَحداقِ
في دورِهِنَّ شُؤونُهُنَّ كَثيرَةٌ
كَشُؤونِ رَبِّ السَيفِ وَالمِزراقِ
كَلّا وَلا أَدعوكُمُ أَن تُسرِفوا
في الحَجبِ وَالتَضييقِ وَالإِرهاقِ
لَيسَت نِساؤُكُمُ حُلىً وَجَواهِراً
خَوفَ الضَياعِ تُصانُ في الأَحقاقِ
لَيسَت نِساؤُكُمُ أَثاثاً يُقتَنى
في الدورِ بَينَ مَخادِعٍ وَطِباقِ
تَتَشَكَّلُ الأَزمانُ في أَدوارِها
دُوَلاً وَهُنَّ عَلى الجُمودِ بَواقي
فَتَوَسَّطوا في الحالَتَينِ وَأَنصِفوا
فَالشَرُّ في التَقييدِ وَالإِطلاقِ
رَبّوا البَناتِ عَلى الفَضيلَةِ إِنَّها
في المَوقِفَينِ لَهُنَّ خَيرُ وَثاقِ
وَعَلَيكُمُ أَن تَستَبينَ بَناتُكُم
نورَ الهُدى وَعَلى الحَياءِ الباقي
5
سأل الرشيد — وكان شاعراً وناقداً ومجاهداً وكريماً وظريفاً — زاره يوماً المُستهل بن الكميت، فقال له مداعباً: “ماذا يُعجبك من النساء؟”
فأنشد: بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعَها
جَثْلًا يزينُهُ سوادٌ أَفْحَمُ
فكأنها فيه نهارٌ مشرقٌ
وكأنهُ ليلٌ عليها مُظلِمُ
حاشية بعد المتون:
يعني يا ابن الكميت، “خدرة دقّاقة بأفرو ما بتنافس”؟
6
ومن الكتب المليحة في الأدب والتدبر مع عذوبة اللغة والمعاني كتابات ابن القيم حول النساء.
وقد ضحكت مليّاً بعد أن قرأت هذه الأقصوصة عنه، وهو ينتقد الحب بين عهدين، فكأنما كان يعني في الثانية زماننا هذا.
قال عليه الرضوان:
“كان الفتى يحب الفتاة، يطوف حول بيتها حولاً، يفرح إذا رأى مرآها، فإذا ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار.
أما اليوم، فإذا التقيا لم يشكُ حباً، ولم ينشد شعراً، وقام إليها كأنما أشهد على نكاحها أبا هريرة وأصحابه!”
7
ومن أعذب العبارات التي قرأتها في باب ما قلّ ودلّ، ما قالته زوجة الأحنف بن قيس حين رحل عن هذه الفانية — وكان عليه الرحمة (نسخة مزيدة ومنقّحة نفدت من الأسواق) — وهي عبارة رثيت بها الأخ الصحفي العبقري والملتزم عبد المنعم قطبي، قالت هذه المرأة الفصيحة “كنت من الناس قريباً،
وفي الناس غريباً.”