
الأسلوب الأنيس في مسامرة الجليس
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الأسلوب الأنيس في مسامرة الجليس
1
كان عمر بن عبد العزيز الخليفة السادس لأن الخامس كان الحسن بن علي رضي الله عنه كان عمر ضد الشكلانية والبذخ وإن تدثر بالدين فقد أبلغوه أن عامله في دمشق قد خمر أساطين ( وهي الأعمدة الشاهقة التي يقوم عليها البناء) وخلقها بالزعفران فكتب إلي عامله:
إن المساكين أحوج إلى تلك الدراهم من الأساطين.
ولو جعلنا مساجدنا صغيرة ونظيفة وأحطناها بالأشجار والنوافير والأزاهير لكانت خيراً للناس ولصحة البيئة .
2
كان سفيان الثوري عليه رحمة الله ثائراً وداعياً للتنمية والإنتاج وقد ساءه أن يرى شباباً ورجالاً يقفون علي أبواب الأمراء والسلاطين يسألونهم الإنفاق فأرشدهم للعمل المفيد بقوله ناصحاً:
عليكم (بالحِرفة) فإن عامة من أتى أبواب الأمراء إنما أتاهم من حاجة.
فليت لنا وزيراً للشباب والرياضة في قامة سفيان يجعل لباس الشباب الأبرول ويُخْرِجُهم إلى الريف ويقول لهم بصوت حاسم: من هنا بدأ أجدادكم ومن هنا تبدؤون.
3
ومن المعايير المبدئية التي جعلها سفيان مقياساً لعقل الرجل إحتماله للمساكين والفقراء ومخالطتهم عن طيب خاطر ورضا فقد روى عنه رضي الله عنه قوله: يُختبر عقل الرجل إن جلس على بساطه مسكين رث الهيئة بغير إذنه فإن تكدر منه فهو ناقص عقل.
ولو كان لنا إذنٌ وخاطر عند الرجل لأضفنا فهو ناقص عقل ودين.
4
ومن المدهشات التي سمعتها في سوق امدرمان أن تاجراً شهيراً جاء لصديقه في محله بسوق الجملة فوجد معه مجموعة من أقاربه القادمين من البادية البعيدة عليهم أثر السفر وصبغة ( الكتاحة ) فقد كانت الطرق آنذاك صعبة المسالك وطويلة المدى وضع لهم طعاماً وشراباً وبدأ يلاطفهم وكانت في خاطرته أبيات مسكين الدارمي:
أُضاحك ضيفي قبل إِنزال رحله
ويخصبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وَما الخصب للأَضياف أَن يكثر القِرى
ولكنما وجه الكَريم خَصيبُ
فقال له صديقه التاجر المنّعم وقد إستفزه منظر الدهماء :كيف سولت لك نفسك أن تُجالس هؤلاء (الوسخانيين) فرد عليه بلهجة حاسمة وغاضبة وبجرأة أرضت أهله من الفقراء المساكين ( كعب الوسخ يا فلان المابمرقوا الصابون) فصارت كلمة يتداولها السوق والسَوَقَة زماناً فإن عاد السوق عادت .
5
إن الإقتصاديين يخططون بالبرامج والأنظمة ودراسات الجدوى لتحقيق الرفاه والتنمية ويتناسى هؤلاء المساكين أن سبب العسر والإخفاق والتردي الإقتصادي من أهم أسبابه الظلم والعسف وفساد الكِبار فقد قال أهل التوثيق: أن الحجاج بظلمه وعنته تولى العراق وخراجها ألف ألف درهم فلم يزل بعنته وسوء سياسته حتى صار خراجها خمسة وعشرين ألف ألف درهم .
6
هنالك باب كبير في كتب المأثورات والمفضلات العربية بعنوان ما قل ودل و الإجابات المسكته ومنها سؤال اليهودي لسيدنا علي كرم الله وجه ورضي عنه كيف يحاسب الله كل هذه الأمم منذ آدم إلى أن تقوم القيامة في يوم واحد فأجاب : مثل ما يرزقهم في يوم واحد ومن لطائف العامة وإجاباتهم المسكته أن سقاء ( بائع ماء)
دنا من فقيه واقف على أحد أبواب السلاطين فسأله عن مسألة فقال الفقيه: أهذا موضع المسألة؟ فقال السقاء : او هذا موضع الفقيه؟
7
ومن الحكايات العربية التي ان صحت فهي مدهشة وان لم تصح فإنها معجزة ومسلية وفيها ارث من المعاني والتدبر وترحُل الانسان ما بين الحياة الموت قال اشاهد أنجارية كانت لموسى الهادي، كان يحبها حبا شديدا جدا، وكانت تحسن الغناء جدا، فبينما هى يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه، فسأله بعض الحاضرين: ما هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: أخذتنى فكرة أنى أموت وأخى هارون يتولى الخلافة بعدى ويتزوج جاريتى هذه ، ففداه الحاضرون ودعوا له بطول العمر.
ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك، فاستحلفه الهادى بالأيمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات، ثم خطبها الرشيد فقالت: كيف بالأيمان التى حلفناها أنا وأنت؟
فقال: إنى أكفر عنى وعنك ، فتزوجها وحظيت عنده جداً، حتى كانت تنام فى حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها..
فبينما هى ذات ليلة نائمة إذا انتبهت مذعورة تبكى فقال لها: ما شأنك؟
فقالت: يا أمير المؤمنين ! رأيت الهادى فى منامى هذا وهو يقول:
أخلفت عهدى بعد ما * جاورت سكان المقابر
ونسيتى وحنثت فى * أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخى * صدق الذى سماك غادر
أمسيت فى أهل البلى * وعددت فى الموتى الغوابر
لا يهنك الألف الجديد * ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بى قبل الصباح وصرت حيث غدوت صائر
فقال لها الرشيد: أضغاث أحلام، فقالت : كلا والله يا أمير المؤمنين ، فكأنما كُتِبت هذه الأبيات في قلبي
فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين، فكأنما كتبت هذه الأبيات فى قلبي، ثم ما مازالت ترتعِد وتضطرب حتى ماتت قبل الصباح..
حاشية قبل المتون:
إن قصة غادر والأمراء والملوك حادثة في كل زمان ومكان منذ أقصى العهود إلى يوم الناس هذا ولكن أهل الكتابة لا يكتبون ولا يوثقون إما رغبة أو رهبة ؟