
أما في هذه المرة فالشجون حديث
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أما في هذه المرة فالشجون حديث
1
حين أفاق السودانيون من هول الصدمة الأولى للجراد الصحراوي بقيادة عائلة دقلو المجرمة، اكتشفوا أن هؤلاء البغاة قد نهبوا كل شيء — مئة عام من المدنية والحضارة. نهبوا مصارفنا وحرائرنا وجامعاتنا ومشافينا وبيوتنا ومدارسنا وسياراتنا ومكتباتنا ومتاحفنا ومساجدنا ومصانعنا، باختصار: نهبوا كل شيء، وسرقوا حتى أغراض الطفلات وأساور العروسات ومشاعر هذا الشعب الكريم، وزرعوا في قلبه الكراهية والخوف والتوجس.
حين أفاق هذا الشعب الكريم ظنّ أن كل الذي نُهب من القطاع العام والخاص ومن الأبرياء من النساء والرجال — ذلك الرقم الذي تجاوز الحد الأدنى من التقديرات، قرابة الترليون دولار — ظن هذا الشعب البريء، المسامح الكريم، صاحب الفضائل التي تدثّر بها الجيران وما زالوا يفعلون، ظنّ أن هذه البلايين (الحرام) من النقد والذهب والمعينات سوف تُحيل دارفور إلى دولة إفريقية مرفّهة مكتفية.
لكن عصابة دقلو فاجأت العالم كله، قبل السودانيين، بأنها بعد أن سرقت كل الوسط والنيل الأزرق والنيل الأبيض والخرطوم وجهات مقدّرة من الشمال، ولم تجد ما تسرقه بعد هذا، اضطرتها نفسها الأمّارة بالسوء أن تسرق نفسها. وبلا حياءٍ ولا وطنيةٍ ولا دين، قاموا بسرقة أهلهم في الجنينة ونيالا وزالنجي، وحوّلوا الضعين — التي كانت مقرًّا لضيف الهجوع وإكرام الجوعى واستضافة الغرباء وأبناء السبيل — إلى أكبر مخازن للمسروقات.
وبها تدثّر وتلفّح كثيرٌ من الرزيقات برداءٍ من الذلّ والسقوط لن ينكشف عن أكتافهم الباردة حتى قيام الساعة، وإن تابوا واغتسلوا سبع مرات، آخرها بالتراب.
لم يكتفوا بذلك، فقد قاموا بقتل أكثر من (20,000) مواطن من قبيلة المساليت في يومٍ واحد، بل دفنوا المئات في أبشع جريمة شهدتها البشرية في العالم المعاصر. نهبوا كل القرى التي قابلوها في دارفور، نشروا الذلّ والمسغبة، ووزعوا الجريمة على أحداق اليتامى والأرامل وأبرياء الصحارى الذين، حين لاذوا بالفرار، قطعوا عنهم حقّ الفرار، وأوسعوهم ضربًا وقتلاً واغتصابًا ومهانةً حتى ارتوت من لحومهم المرة صقورُ الصحارى وجوارحُ الطير.
إنها الصفحة الأولى من السيرة الذاتية لسلطة التعايشي في نسختها المزيفة والبشعة، ومن خلفه يقف الخائن برمة، الذي باع تاريخ المسيرية وحزب الأمة في سوق النخاسة للعصابة، بأيامٍ معدودات، بثمنٍ بخسٍ لرجلٍ لم يبقَ بينه وبين القبر إلا شبر واحد.
2
إذا كانت هنالك نصيحة يمكن أن تُقال لشباب الجزيرة، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض، وشرق السودان الباسل الصابر، والشمال الناهض المستيقظ، وكردفان القادمة على طريق التحرر والانتصار وإجلاء الخونة والعملاء، فهي نصيحة الثائر تشي غيفارا، الذي صادم الإمبريالية والمظالم حتى لحظة موته الشجاع:
“إذا اشتعلت الحرب، فعليك أن تملأ خزانة مسدسك بعشر طلقات: تسعٌ منها للخونة، وواحدة للعدو.”
وما أكثر الخونة والطابور الخامس في الداخل والخارج من أهل الظاهر والباطن — والعياذ بالله.
3
ومن النظريات الاقتصادية الدقيقة والعميقة التي نرجو أن يبحر فيها علماء الاقتصاد من الدارسين وأهل التنمية والمصارف والاستثمار، نظرية الإمام الفخر الرازي صاحب التفسير، القائل:
“منافع الدنيا مشتركة محصورة، وحبسها على بعض الناس قبيحٌ عقلًا، وكلما كان الاحتياج إليه أشد كانت الشركة فيه أوجب.”
4
زرتُ مرةً مدينة ود مدني لقضيةٍ طالت صحيفة (ألوان)، ادّعى أصحابها أن الصحيفة قد نالتهم بتجريحٍ يرقى لإشانة السمعة. وقد قابلني في مدخل مكاتب الشرطة بالمدينة الأخ الأديب الصحفي والداعية عمر محمد الحاج — وهو عقلٌ وقلبٌ ولطفٌ يمشي على قدمين.
دهشتُ أنه أعدّ لي وليمة دعا إليها الكثير من أصدقائنا بود مدني، وشرفنا فيها المادح والمنشد الراحل محمد ود السني، وهو مختصّ في الأماديح الفصيحة. وقد طلبتُ منه إحدى قصائد الشيخ عبد الغني النابلسي التي كان يجيدها، فقال لي مداعبًا:
“إن كنت من أحباب الشيخ، فلماذا لا تتأدب بآدابه؟”
صدمتني العبارة، فقلت له: وما هو سوء الأدب الذي رأيته مني في حق الشيخ؟
فضحك وأضحك الجميع، ثم قال:
“ألم تقرأ في شعره عبارة (وعلى المنشد لا تُقترح)؟”
وبدأ بصوتٍ عذبٍ مثل شلال العطر ينشد:
أنا موسى العشق ربي أرني
بك أن أنظر ظبيًا شردا
لاح لي جمرٌ على وجنته
كلما أدنو إليه بُعدا
فلعلّي منه ألقى قبسًا
أو يرى قلبي على النار هدى
رحم الله تلك الأيام، وتقبّل أخانا عمر محمد الحاج الناطق الرسمي باسم ود مدني، والمنشد الذي كان يملأ نهاراتها ولياليها بالأماديح المباركة والإنشاد العرفاني الذي أرخى الجوانح ورقّق القلوب.
وقد وعدتُ مجموعة من شباب الصحفيين أن أسجّل ذكرياتي ومذكّراتي لإذاعة المساء وقناة أم درمان الفضائية تحت عنوان “ودارت الأيام”، وهي فيض مباشر عن أيامنا مع صاحبة الجلالة، ودار الإذاعة، وقناة أم درمان، وذكرياتنا مع نجوم السياسة والثقافة والآداب والرياضة والفنون.
ومن الشخصيات التي لها نصيب من الذكر والذكريات عمر محمد الحاج ومجموعة الأتقياء الأخفياء من أبناء الجزيرة.
ونسأل الله أن يمنحنا القدرة على الطاعة والاستطاعة، حتى ننجز هذا العمل الذي نرجو من كل قلوبنا أن يكون إضافةً لمستطرف “ألوان” من الحكايات والنوادر والبيان