الوخز بالكلمات أم الرسم بالكلمات؟

لألوان كلمة

حسين خوجلي

الوخز بالكلمات أم الرسم بالكلمات؟

1

جلسنا ونحن مجموعة من الأصدقاء لنا وداد خاص ومعزة وحب لدولة الإمارات العربية، لنا فيها الكثير من الأصدقاء بعيداً عن الأمراء والحكام وأصحاب النفوذ، فمعرفتك بالشعب الإماراتي بعفويته وتلقائيته تكفيك عن الكبار، لا ترفعًا ولكن الكلمة لها كبرياء وتواضع، ونحن من جيل يأنف أن يقف على أبواب السلاطين.

وقد أحزننا جدًا حال القطيعة التي قامت بين أبوظبي والخرطوم، ولو قلب العقلاء من هنا وهناك كتاب العلاقات الذي سُطر منذ بداية تأسيس الإمارات إلى اليوم لوجدوا أن هنالك وشائج وصلات في العلم، والصيرفة، والشرطة، والجيش، والمال، والأعمال، والمنابر، والمساجد، والطب، والهندسة، والبنية الأساسية والتحتية، والإدارة، والإعلام بصحافته وأثيره وقنواته؛ لاستخزوا مما يفعلون، ولرأوا أن ما يُمليه الشيطان يكذبه هذا التاريخ الناصع من الصلات والمحبة والعرفان والذكريات.

ترى متى تستمر هذه القطيعة بين إخوةٍ بينهم عقيدة ودم وصلات وتاريخ من المعارف والمصالح لا ينقضي ولا يزول ولا يموت رغم نوائب الدهر والليالي الكالحات؟

وقد طلبوا مني هؤلاء الأصدقاء قبل الانصراف في الهزيع الأول من الليل أن أكتب لأصحاب الشأن هنا وهناك حديثًا، عله يوقف الخصومة ويحقن الدم، ويرغم الأبالسة والعملاء والخونة، ويلقمهم حجارة وسهامًا تُرديهم وتُردي ضغائنهم، والذين يقفون من خلفهم يشعلون نار الفتنة ولهيب الكراهية.

وعندما انصرف الإخوة، وفي قلوبهم أسى لتلك الأيام العاطرات التي قضيناها وسط هذا الشعب الكريم في زياراتنا المتعددة للإمارات، طافت بخاطري هذه الحكاية:

فقد قيل في كتب المعاني العربية إنه كان للخليفة معاوية أرض إلى جوار أرض لعبد الله بن الزبير، فنزل عمال معاوية أرض ابن الزبير وجاروا عليها، فكتب عبد الله بن الزبير إلى معاوية قائلاً:

“من عبد الله بن الزبير إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد: يا ابن آكلة الأكباد، إذا بلغك كتابي فاكفف عمالك عن أرضي، وإلا نالك مني سوء.”

فلما وقع الكتاب في يد معاوية وقرأه، دعا ولده يزيدًا وقال: يا بني، ماذا ترى؟
قال يزيد: أرى أن تبعث إليه من يأتيك برأسه.
فقال معاوية: يا بني، ألا أدلك على ما هو خير من هذا وأقرب رحمًا؟
فقال يزيد: بلى.

فأخذ معاوية الورقة وكتب على ظهرها:

“بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير، أما بعد: يا ابن حواريّ رسول الله، ويا ابن ذات النطاقين، إذا بلغك كتابي هذا فاضمم عمالي إلى عمالك وأرضي إلى أرضك، فوالله الذي لا إله إلا هو لو كانت الدنيا بيني وبينك لأتيتك بها. والسلام.”

فلما بلغ الكتاب ابن الزبير وقرأه بكى، وكتب إليه:

“قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل، والسلام.”

فلما قرأه معاوية رضي الله عنه، دفعه إلى ابنه يزيد وقال:

“يا بني، من عفا ساد، ومن حَلُم عَظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتُليت بشيء من هذا فداوه بمثل هذا الدواء.”

2

من الاقتراحات التي كان يقول بها الصحفي الساخر (الريفي): على الأبوين أن يسمّيا طفلهما برقم حتى سنّ الرشد، فكم من أسماء قيلت في يوم المولود الأول صارت من بعده سُبّة! أن تُسمي جميلاً فيشب قبيحًا، أو تُسمي شاطرًا فينهض خائبًا، أو تُسمي مهذبًا فتلقاه بعيدًا عن الأدب والتهذيب!

أو هكذا، أو أن تكون هنالك طريقة في تغيير الأسماء ولو بعد حين لتطابق الحال. ومن الدلالات على هذا ما قرأته في إحدى كتب النوادر أن الإسكندر رأى رجلًا يهرب في كل معركة، فسأله عن اسمه فقال:
“اسمي الإسكندر.”
فقال له: “إما أن تُغيّر اسمك أو تُغيّر فعلك.”

حاشية:
ترى، عزيزي القارئ، أي القادة العسكريين والمدنيين الذين يتسيّدون الساحة منذ الاستقلال إلى اليوم، يتوجب عليه أو علينا تغيير اسمه حتى يطابق المقال الحال؟

3

كتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز:
“إن سور المدينة قد تهدّم، فإن أذن أمير المؤمنين في إصلاحه.”
فكتب إليه:
“حصّن مدينتك بالعدل، ونقِّ طرقها من الظلم، فإنه حصنها.”

ولو كنت محل العامل لكتبت ردًا للخليفة العادل بقولي:
“سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين، فقد قبلنا نصيحتك، ولكننا أيضًا بنينا السور.”

4

كان مولانا عوض الله صالح يُداعب القضاة الجدد، وكان لطيفًا يحب الممازحة، فيقول إن القضاة فريقان، فريق هذا هو مثاله، ويحكي:

جاءت امرأة إلى قاضٍ فقالت:
“مات زوجي وترك أبويه وولدًا وامرأةً وأهلًا، وله مال.”
فقال القاضي:
“لأبويه الثكل، ولولده اليتم، ولامرأته الخَلَف، ولأهله القلة والذلة، والمال يُحمل إلينا حتى لا تقع بينكم الخصومة.”

وبعد أن يُكمل الحكاية ينصرف لحاله، فيقول له القضاة المتلهفون:
“لم تخبرنا يا مولانا عن الفريق الثاني من القضاة!”
فيقول عليه الرحمة ضاحكًا:
“لقد نسيته!”
5

أحد المحررين بـ”ألوان” كان يهتم بالثقافة السودانية والأمثال ويوثّق منها الكثير، قال لي:
كنتُ أقود يومًا والدي الذي تجاوز الثمانين من عمره وأصبح على بوابة التسعين بعنفٍ آملًا في الدخول، وقابلنا ونحن في الطريق إلى دارنا أحد أصدقائه القدامى، فصاح في لهفةٍ متشوقًا لصحبته القديمة:
ـ كيف حالك يا حاج الأمين؟
فرد قائلًا:

“الودود بقى جحود، والبعيد بقى قريب، والاتنين بقن تلاتة.”

فبعد أن وصلنا للمنزل قلت له:
ـ يا حاج، لم أفهم ردك على ذلك الرجل الكبير، فكأنما كانت إجابتك لغزًا كبيرًا.

فأجابني مبتسمًا:
“الودود الذي أصبح جحود هو جسدي الذي ضعف أمام كل حاجاتي في القيام والجلوس والأكل والشرب والصلاة والصيام، وما يُقال وما لا يُقال.

أما البعيد الذي أصبح قريب فهو النظر؛ فقد كنت أرى حتى أقصى الوادي، فأصبحت الآن لا أرى إلا الذي أمامي حد الالتصاق.

أما الاثنان اللذان صارا ثلاثة فهما الرجلان، وقد أضفتُ لهما عصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى.”

6

من أقوال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، التي تساند الشرعية وتحارب البذاءة في مواقع التواصل الاجتماعي ضد الحاكم والحاكمية، ومن الاستدراكات أن الرجل لا يعني النصيحة ولا النقد الذاتي، ولكنه يعني التجاوز والإسفاف والتطاول، قوله رضي الله عنه:

“إن السلطان عزّ الله في الأرض، فإذا استخف به أحد ونابته نائبة، فلا يلومنّ إلا نفسه.”

وهي عبارة أرجو أن أرسلها لأنفسنا قبل أن أرسلها للبشير؛ فلو أننا صبرنا على الرجل قليلًا، لما نالنا ما نالنا، ولما أصابنا ما أصابنا (والمعنى واضح).

ألم يهتف آباؤنا بعد أكتوبر وهم يحملون الفريق عبود على أكتافهم نادمين وهاتفين:

“ضيّعناك وضِعنا معاك.”

7

قلتُ مرة للشاعر الكبير مصطفى سند:
ـ ألم تكتب رثاءً في والدك يا مصطفى؟

فصمت برهةً من الزمان، ثم رفع رأسه قائلًا:
“لقد بدأتُ البيت الأول وتوقفت، فقد تذكرت رثاء شوقي لأبيه، فاستعصى عليّ الرثاء مثلما استعصى عليه هو أول المصيبة، وتأبّت القصيدة.”

وبدأ مرثية شوقي، وفي عينيه دمعات رقراقة:

رثاء أحمد شوقي لأبيه

سَأَلوني لِمَ لَم أَرثِ أَبي
وَرِثاءُ الأَبِ دَينٌ أَيُّ دَينِ

يا أَبي ما أَنتَ في ذا أَوَّلٌ
كُلُّ نَفسٍ لِلمَنايا فَرضُ عَينِ

هَلَكَت قَبلَكَ ناسٌ وَقُرى
وَنَعى الناعونَ خَيرَ الثِقَلَينِ

غايَةُ المَرءِ وَإِن طالَ المَدى
آخِذٌ يَأخُذُهُ بِالأَصغَرَينِ

وَطَبيبٌ يَتَوَلّى عاجِزاً
نافِضاً مِن طِبِّهِ خُفَّي حُنَينِ

إِنَّ لِلمَوتِ يَداً إِن ضَرَبَت
أَوشَكَت تَصدَعُ شَملَ الفَرقَدَينِ

تَنفُذُ الجَوَّ عَلى عِقبانِهِ
وَتُلاقي اللَيثَ بَينَ الجَبَلَينِ

وَتَحُطُّ الفَرخَ مِن أَيكَتِهِ
وَتَنالُ البَبَّغا في المِئَتَينِ

أَنا مَن ماتَ وَمَن ماتَ أَنا
لَقِيَ المَوتَ كِلانا مَرَّتَينِ

نَحنُ كُنّا مُهجَةً في بَدَنٍ
ثُمَّ صِرنا مُهجَةً في بَدَنَينِ

ثُمَّ عُدنا مُهجَةً في بَدَنٍ
ثُمَّ نُلقى جُثَّةً في كَفَنَينِ

وَإِذا مُتُّ وَأودِعتُ الثَرى
أَنَلقَّى حُفرَةً أَو حُفرَتَينِ

وعندما انتهى من قراءته الحزينة التي حرّكت مراجعَه، أجهش عليه الرحمة برقّته المعتادة في نوبةٍ من البكاء الطويل، ولزمنا الصمت معًا في حضرة الغياب والرحيل.