
ثلاثية الإثنين
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
ثلاثية الإثنين
1
من روائع الأدب العربي والعالمي أن الشعراء الفحول والذين هم دون ذلك يلجأون في كثير من الأحيان إلى إستنطاق الحيوان والكتابة باسمه ورسمه حتي يستطيع فن الترميز أن يوارث الوخز الناقد علي جلود الأزمة، ومما وجدته يماثل حالنا في السودان أن النكبة قد جمعت بيننا فقد أصبح الجوع والمرض والهجرة وانعدام المعين وصلف الأعداء الذي سرق أعراضنا وأغراضنا كل هذا جعلنا نتحالف في وجه الأزمة ونتقاصر عن الإختلاف وهذه من إيجابيات الكوارث والإبتلاءات إن كان للكوارث إيجابيات فاليوم كلنا في سفينة نوح نتمسك ببعضنا البعض (نقتسم النبقة ونقتسم بليلة المباشر) بالتساوي ونرجو أن تدوم هذه الحياة في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وأن لا تفرق بيننا نعمة الإنتصار ولو بعد حين فتعود (حليمة إلى قديمها) وشعب لا يتعلم من بلواءه لم يتعلم من نعماءه ومما أجده مثالاً علي هذه الترميز ووقعاً للحافل علي الحافر في أزمتنا أصدق من ترميز أمير الشعراء لإجتماع الحيوانات والمخلوقات في سفينة نوح الأممية قال عليه الرحمة والرضوان وأرجو أن يكون المعنى واضحاً والمثال وافياً للتفكر والتدبر والخضوع للواجب والتعالي على المصاعب والقارعات
لَمّا أَتَمَّ نوحٌ السَفينَة
وَحَرَّكَتها القُدرَةُ المُعينَة
جَرى بِها ما لا جَرى بِبالِ
فَما تَعالى المَوجُ كَالجِبالِ
حَتّى مَشى اللَيثُ مَعَ الحِمارِ
وَأَخَذَ القِطُّ بِأَيدي الفارِ
وَاِستَمَعَ الفيلُ إِلى الخِنزيرِ
مُوتَنِساً بِصَوتِهِ النَكيرِ
وَجَلَسَ الهِرُّ بِجَنبِ الكَلبِ
وَقَبَّلَ الخَروفُ نابَ الذِئبِ
وَعَطَفَ البازُ عَلى الغَزالِ
وَاِجتَمَعَ النَملُ عَلى الأَكّالِ
وَفَلَتِ الفَرخَةُ صوفَ الثَعلَبِ
وَتَيَّمَ اِبنَ عِرسَ حُبُّ الأَرنَبِ
فَذَهَبَت سَوابِقُ الأَحقادِ
وَظَهَرَ الأَحبابُ في الأَعادي
حَتّى إِذا حَطّوا بِسَفحِ الجودي
وَأَيقَنوا بِعَودَةِ الوُجودِ
عادوا إِلى ما تَقتَضيهِ الشيمَه
وَرَجَعوا لِلحالَةِ القَديمَه
فَقِس عَلى ذَلِكَ أَحوالَ البَشَر
إِن شَمِلَ المَحذورُ أَو عَمَّ الخَطَر
بَينا تَرى العالَمَ في جِهادِ
إِذ كُلُّهُم عَلى الزَمانِ العادي
2
في إحدي صباحات ألوان زارني أخ كريم له صديق لم يفارقه منذ الإبتدائيات حتى تخرجوا وعملا معاً وزانتهم الأيام ببياضها وسوادها مودة وقربة وكتب لأحدهم الثراء وشغلته أمواله عن المودة القديمة مرض صديقه وأصابه العوز فلا هو زاره ولا عاده ولا سانده في مصائب الفقر والمرض وقد تناسى كل تلك الصِلات الطيبة وعشرة الأيام وكنت أعلم أن صديقه الجافي والمجافي له صلة بالشعر والأدب قبل أن تشغله كتابة الشيكات عن كتابة الشعر والأمنيات فقلت له مطيباً لخاطره وقلت للزائر المغاضب سأرده لك فإن الكلمات المبينة المُفصِحة عن الحزن والعتاب ستعيد الأصدقاء وإن لم تفعل فأبحث عن غيره وقد منحته أبيات حافظ الذي يعاتب فيها صديقه محمد البابلي وفعلاً أرسلها أمامي في رسالة صوتية وكان له صوت شجي ومعبر (إلي فلان لم أجد ما أعاتبك به أصدق من شعر حافظ شاعر النيل لصديقه المفارق بسبب مشغوليات المال وصلف الدنيا)
أَخي وَاللَهِ قَد مُلِئَ الوِطابُ
وَداخَلَني بِصُحبَتِكَ اِرتِيابُ
رَجَوتُكَ مَرَّةً وَعَتَبتُ أُخرى
فَلا أَجدى الرَجاءُ وَلا العِتابُ
نَبَذتَ مَوَدَّتي فَاِهنَأ بِبُعدي
فَآخِرُ عَهدِنا هَذا الكِتابُ
وبعد أيام عادنا الصديق المريض الفقر ضاحكاً لأن الرجل قد أثارت فيه الأبيات ذلك الشوق القديم وتلك المودة
الصافية (فعادني وقضي الأمر)
3
أسعدنا بمنزلنا العامر بودنوباوي الشيخ العارف والأديب والشاعر الجيلي دفع الله الكباشي حفيد الرجل الصالح وخليفته ومعه صديقه الراحل رجل المجتمعات الوسيم القسيم سيد طيب العربي وكان في صحبتهم الشاعر عكير الدامر والثلاثة من أصدقاء شقيقنا الأكبر شيخ العرب حسن خوجلي عليه رحمة الله الذي استقبلهم بحفاوة وقضوا معنا يوماً كاملاً وبين حفاوة شقيقنا حسن وفرح أهل ودنوباوي والثريد وباقي الطيبات، بدأ عكير الدامر في الإنشاد وافترع زمان الإمتاع والموآنسة وهو يتنقل مابين الحكمة والغزل والمديح والمراثي وقد استطعت في ذلك اليوم أن أملأ كراساً كاملاً بصفحته من شعر عكير وهي ثروة حين تسمع الشعر يخرج طازجاً ما بين أشداق وروح منشئه وقائله ومن المقاطع التي لا أنساها ومازالت محفورة في الذاكرة:
مطلوق ﺍﻟﻠﺴﺎﻥ أﺧﺘﺎﻫﻮ، ﻻ ﺗﺒﺎﺭﻳﻬﻮ
ﺩﺭﺏ ﺍﻟﺤﺴﻜﻨﻴﺖ ﺷﻮﻑ ﺍﻟﺒﻼﻭﻱ ﺍﻟﻔﻴﻬﻮ
ﻭﻟﺪﻙ ﺑﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﺭﺑﻴﻬﻮ
ﻭﺇﻥ ﻛﺒﺮ ﺍﻟﻮﻟﺪ ﻻ ﺗﻌﻨﺎﺩﻭ ﺑﻞ ﺧﺎﻭﻳﻬﻮ
ﺧﺎﻭﻱ ﺍﻷﻏﺒﺶ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﻤﻠﺔ
ﺭﺍﻓﻊ ﺭﺍﺳﻮ ﻓﻮﻕ ﻣﺎﺑﺮﺿﻰ ﻋﻴﺸﺔ ﺍﻟﺬﻟﺓ
أﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﺎ ﺑﻘﻮﻝ، ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ
ﻋﻴﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺿﻴﻒ أﻋﻤﻞ ﺣﺴﺎﺏ ﻳﻮﻡ ﺑﺎﻛﺮ
أﺳﺠﺪ ﻟﻠﻜﺮﻳﻢ أﺑﻘﺎﻟﻮ ﺣﺎﺍﺍﺍﻣﺪ ﻭﺷﺎﻛﺮ
ﺍﺳﺘﻐﻔﺮ ﻛﺘﻴﺮ ﻣﺎ ﺗﻨﺴﻰ ﺧﻠﻴﻚ ﻓﺎﻛﺮ
ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺑﻠﺤﻘﻚ ﻟﻮ ﺑﺤﺮﺳﻮﻙ ﻋﺴﺎﻛر
أﺻﻠﻮ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻧﻬﺎﻳﺓ ﻟﻠﺒﺸﺮ ﺣﺘﻤﻴﺔ
ﻻ ﻭﺍﺳﻄﺎﺕ ﺑﺘﺸﻔﻊ ﻟﻴﻜﺎ ﻻ ﺟﻮﺩﻳﺔ
ﺭﺑﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ أﺩﺍﻧﺎ ﺣﺠﺔ ﻗﻮﻳﺔ
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺑﺠﻴﻚ ﻟﻮ ﻓﻲ ﺑﺮﻭﺝ ﻣﺒﻨﻴﺔ
ﺷﺎﻳﻔﻚ ﻳﺎ ﻧﻔﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺎﺭﻏﺔ ﻳﻮﺕ ﺑﺘﺠﻮﻃﻲ
ﻓﻲ ﺍﻟﻐﻲ ﻭﺍﻟﻀﻼﻝ ﻣﻦ ﺑﺪﺭﻱ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺗﺼﻮﻃﻲ
ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ ﻣﻔﺘﻮﻭﺡ ﻟﻴﻙ ﻗﺒﻞ ﻣﺎ ﺗﻤﻮﺗﻲ
ﻭﺍﻥ ﻭﻗﻊ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻭﺭﻳﻨﻲ ﻭﻳﻦ ﺑﺘﻔﻮﺗﻲ
ﻳﺎ ﺭﺏ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺿﻮﻱ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ ﺍﻟﻌﺎﺗﻤﺔ
ﻭﺍﺷﻔﻲ ﺻﺪﻭﺭﻧﺎ ﻣﻦ ﺷﺮ ﺍﻟﻬﻤﻮﻡ ﺍﻟﻜﺎﺗﻤﺔ
ﻳﺎ ﺭﺑﻲ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﺻﺒﺤﺖ ﻋﻠﻲ ﻣﺘﺮﺍﻛﻤﺔ
أﻏﻔﺮ ﻳﺎ ﻛﺮﻳﻢ ﻭأﺭﺯﻗﻨﺎ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﺨﺎﺗﻤﺔ
رحم الله ذلك الزمان وتقبل أهله فقد مضوا ومضى فلم تبق لنا إلا أشجان الذكرى والحنين وقبل أن ندخل في قلب القافلة التي لا بد لها من المسير والرحيل بدأت في تسجيل مذكراتي وذكرياتي مع الكبار فلعل في توثيق هذه الصور الذهنية ما يحفظ للجيل القادم بعض ما قرأنا وشاهدنا واستمعنا إليه ونسأل لله أن يوفقنا ويبارك في أيامنا القادمات حتى نكمل هذا الجهد عرفاناً لهولاء الرجال الذين ملأوا عالمنا المعاصر كرماً وسماحة وسجايا.