
21 اكتوبر 1964م .. قصة ثورة
21 اكتوبر 1964م .. قصة ثورة
استشهاد القرشي أحدث حراكا لم يتوقف إلا بتسليم عبود للسلطة
كيف حاول مجلس الوزراء امتصاص غضب عمال هيئة السكة الحديد والنقل النهري؟
منشور سري للحزب الشيوعي
ووثيقة التضامن النقابي عجلا برحيل الحكومة
إلغاء زيارة عبود للمناقل بعد أن ملأت الملصقات شوارع العاصمة
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
بقدر ما كتب عن هذه الثورة من كتابات تكاثرت وتكاثر كتابها وتكاثر مؤرخيها ظلت الخمسة أيام قبل تاريخ 21 اكتوبر 1964م محل ابتعاد عن تناول المتناولين لأحداثها. وفي المساحة التالية نقدم تلخيصا غير مخل بوقائع الخمسة أيام ما قبل يوم 21 اكتوبر بدء من يوم 16 اكتوبر 1964م. وأشير هنا إلى أنني قد اعتمدت كليا على تلخيص وكتابة المعلومات من الصحف بدار الوثائق القومية وإفادات معاصرين للحدث.
16 اكتوبر 1964م
في هذا اليوم صدرت الصحف وهي تحمل في أبرز عناوينها خبر موافقة مجلس الوزراء بقيادة الفريق إبراهيم عبود على زيادة مرتبات العاملين بالدولة التي ناقشها المجلس المركزي برلمان عبود الذي تم تأسيسه في نوفمبر 1963م. وكان الغرض من موافقة مجلس الوزراء بعد رفع الأمر إليه من البرلمان امتصاص غضب عمال هيئة السكة الحديد وعمال النقل النهري بعد اضراب يوم 3 اكتوبر 1964م والذي أعلنته مسبقا النقابتين مع اعلان اضراب آخر تم الاعلان عنه ليوم 19 اكتوبر وهو ما لم يحدث لتسابق الأحداث ووصول مرحلة الثورة المنظمة مرحلة الوصول لغاية الترتيب والنظام بدرجة متقدمة جعلت النقابتين عمال السكة الحديد وعمال النقل النهري تحشدان العمال لموكب ضخم يوم 22 اكتوبر دون سابق توقع لما ستسير عليه أحداث يوم 21 اكتوبر كما سيأتي ذكرها. وفي نفس اليوم يوم 16 اكتوبر صدر بيان من الحزب الوطني الاتحادي يطالب بفتح تحقيق في مجزرة جوبا التي حدثت يوم 3 اكتوبر 1964م. وفي نفس اليوم 16 اكتوبر انتشر رجال الشرطة السرية بوليس الأمن العام خارج حرم جامعة الخرطوم مراقبة لدار النشاط بعد أن أصدر وزير الداخلية بتاريخ 9 اكتوبر أمرا بعدم عقد المناقشات السياسية داخل الحرم الجامعي.
17 اكتوبر 1964م
انتشر منشور سري للحزب الشيوعي السوداني بتوقيعه يطالب المواطنين بالثورة ضد السلطة بتنظيم المواكب. ويعتبر يومي 17 و 18 اكتوبر من الأيام المفصلية في حراك ما قبل اليوم التاريخي يوم اقتحام قوات البوليس لحرم الجامعة واستشهاد الشهيد القرشي إذ تم عقد اجتماع لأساتذة جامعة الخرطوم تقرر فيه اعلان الاضراب الثاني للأساتذة بعد الاضراب الأول بتاريخ 10 اكتوبر 1964م والذي تم الاتفاق فيه على وثيقة التضامن النقابي التي أصبحت فعليا سارية المفعول منذ ذلك التاريخ. والدليل على ذلك اضراب عمال هيئة السكة الحديد وعمال النقل النهري بواسطة النقابتين.
مما سبق ذكره يتضح التنظيم الدقيق لتجمع النقابات الذي أوصل الحراك الثوري لمرحلة الانفجار يوم 21 اكتوبر. في نفس اليوم 17 اكتوبر تم اعتقال 22 من طلاب المعهد الفني لتنظيمهم تظاهرة هادرة غرب استاد الخرطوم. وعند الساعة السادسة مساء من نفس اليوم أذاعت الاذاعة السودانية من أمدرمان خبرا مصدره وزارة الداخلية ووزيرها اللواء محمد أحمد عروة بمنع التجمعات وإلغاء مباريات الكرة التي تلعب مساء والاكتفاء بمباريات الكرة التي تلعب عصرا في نفس اليوم. وفي بري خرجت تظاهرة ليلية من منزل عرس أحياه الفنان سيد خليفة جابت التظاهرة شوارع حي بري في تحدي واضح لبيان وزير الداخلية الذي لم يمض عليه سوى ساعات قليلة.
18 اكتوبر 1964م
في هذا اليوم صدرت الصحف دون الإشارة لأي خبر عن حراك الثورة وأكتفت فقط بأخبار متنوعة عن نشاط مجلس الوزراء وجلسة المجلس المركزي التي خصصت لمناقشة قضية أراضي الجموعية بجنوب أمدرمان. وعند الساعة الخامسة مساء نفس اليوم شن رجال بوليس الأمن العام جهاز الأمن حملة على عدد من المواقع بالمدن الثلاثة كان أهمها المقاهي الشعبية مع اعتقال عدد من أعضاء الحزب الوطني الاتحادي والحزب الشيوعي السوداني كان من ضمنهم بأمدرمان عضوا الحزب الشيوعي السوداني إبراهيم الجزولي وحسن شمت. وبمدينة ود مدني نظم مواطنين تظاهرة داخل سوق المدينة وتم تفريق التظاهرة بعد وصول قوات البوليس لموقعها. وبمدينة عطبرة تم إلغاء المباريات التنافسية بأستاد عطبرة مع اعتقال 17 فردا من المتظاهرين في تظاهرة تطالب بإسقاط النظام.
19 اكتوبر 1964م
في هذا اليوم تم إلغاء زيارة الفريق إبراهيم عبود للمناقل للوقوف علي انتاج مشروع امتداد المناقل. وفي نفس اليوم امتلأت العاصمة صباحا بشعارات وملصقات الحائط للتنظيمات السياسية التي تطالب برحيل النظام. وفي مدينة بورتسودان تم اعتقال 12 شخصا في مقدمتهم مراسل صحيفة الرأي العام الأستاذ يحي الحسين بعد العثور على أخبار الحراك الثوري بحوزته وهو يهم بإرسالها لصحيفة الرأي العام. وفي مدينة الأبيض امتلأت جدران المنازل والمؤسسات الحكومية بشعارات الحائط وتم اعتقال 21 من المشتبه فيهم. ومساء نفس اليوم نظم اتحاد طلاب جامعة الخرطوم اجتماعا حدد فيه يوم 21 اكتوبر للندوة الجامعة الحاشدة بعنوان التصور الموضوعي لحل مشكلة الجنوب. ومساء نفس اليوم اجتمع أعضاء الجمعية الهندسية بدار أساتذة جامعة الخرطوم داعمين للحراك الثوري ببيان يطالبون فيه بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بشأن أحداث جنوب السودان. وفي ذات اليوم داهم بوليس الخرطوم اجتماعا لنقابة الممرضين بمستشفى الخرطوم وتم اعتقال قيادات الاجتماع.
20 اكتوبر 1964م
في هذا اليوم ارتفعت منذ العاشرة صباحا هتافات طلاب جامعة الخرطوم ومدرسة الخرطوم الثانوية قريبة المسافة من حرم الجامعة. وعند الساعة السابعة مساء انتظم كل السودان في متابعة الحراك الثوري عبر البرقيات اللاسلكية والهواتف وأصبح الانتظار مملا لما ستسفر عنه الأحداث.
21 اكتوبر .. يوم الطوفان
انتظم طلاب المعهد الفني وطلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم وطلاب جامعة الخرطوم في انتظار الندوة التي غيرت مسار السياسة السودانية إذ امتلأت المساحة ما بين داخليتي القاش وكسلا داخل جامعة الخرطوم عن بكرة أبيها بالطلاب. وحينها أقتحم البوليس بأمر من كمندان رئاسة البوليس البوليس اللواء أحمد عبد الله أبارو حرم الجامعة وأطلق البوليس الرصاص الحي على الطلاب، مما أسفر عن استشهاد الطالب أحمد القرشي الطالب بكلية العلوم لتبدأ مرحلة أخرى من حراك لم يتوقف إلا بإعلان الفريق إبراهيم عبود بحل المجلس العسكري وتسليم السلطة للأستاذ سر الختم الخليفة الذي أجمعت عليه الأحزاب السياسية ليصبح رئيسا للوزراء في فترة انتقالية مدتها عام واحد.