
سباعية السبت
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
سباعية السبت
1
زحمة
كثيرون هم الذين لا يصلون الجمعة وفي هذا إثم كبير أما الإثم الذي هو أكبر من ذلك أنهم لا يجدون لهذا تبريراً فأحببت أن أخفف عليهم بمثل الحجاج بن أرطأة الذي كان لا يشهد صلاة الجمعة فعندما سئل عن ذلك قال: أخشي أن يزاحمني البقالون.
ولو سَودَناها لقال : (لزاحمني التَشّاشة وأهل الطُشاشة)ـ (وأرجو أن يحفظها لي سعادة اللواءالأديب الهادي بشرى أني لم أضيف لها العياشة)، والعياشة لم لا يعرفون هم من أشهر عائلات أم درمان ويتَكَّسبون ببيع الذرة والحبوب ومن مآثرهم أنهم كانوا يبيعون نصفها وينفقون النصف الآخر ومن زعماءهم عمنا الحكيم اللطيف المعشر المرحوم الحاج عبد الرحمن شاخور رئيس نادي المريخ الأسبق.
2
أممية الثراء
كتبت لأحد الأصدقاء بإحدي المهاجر الأوروبية وكان صاحب ظرف وشعر وثقافة وله حب مشهود للسودان بيد أن الفقر والديون قد حاصرته هنا فهاجر هنالك واغتني هاتفني قبل أيام فذَكرتُه بالسودان وكيف أنه بهجرته هذه تنكر لتلك الأيام الطيبات والحَارات الأمدرمانية المباركة فرد على بمرافعة أبوبكر الزبيدي الإشبيلي
الفقر في أوطاننا ( غربة)
والمال في الغربة ( أوطان)
والأرض شئ كلها واحد
والناس إخوان وجيران
3
علي وعلي وعلي
ولم أجد بيتاً أُهديه للإخوة علي عثمان وعلي الحاج وعلي كرتي في باب النصيحة والتدبر والحكمة بأصدق من قول الشاعر:
تتبع الأمر بعد (الفوت) تغرير
وتركه (مقبلا) عجزٌ وتقصير
4
قالها شوقي شهادة (لكنت اليوم أشعر من جرير)
وما زلت على معتقدي القديم بإن الشاعر العربي الكبير جرير يقف كتفاً بكتف مع المتنبي ويسبقه في كثير من القصائد ففي الكثير من شعره غير الحكمة البساطة والعمق وملامسة عقول الناس عبر قلوبهم وفوق ذلك كان عفيفياً وصاحب كبرياء وكان هجائه يُؤلم لكنه لايجرح وله قصة شهيرة حين كان (رئيس إتحاد شعراء جمهورية بني امية) حين ذهبوا إلى الخليفة الجيد العادل الرصين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حفيد بن الخطاب فأمه هي أم عصام بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو تابعي جليل. قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز. كان، رضي الله عنه عفيفاً زاهداً ناسكاً عابداً مؤمناً تقياً صادقاً، أزال ما كانت بنو أمية تذكر به علياً رضي الله عنه، على المنابر وجعل مكان ذلك قوله تعالى: ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان ” الآية
تقول الحكاية وهي شهيرة على أقاصيص العرب الباهيه أنه لما ولي الخلافة رضي الله عنه، وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر فلما رآه جرير داخلاً قام إليه وأنشد يقول أبياتاً منها:
يا أيها الرجل المرخي عمامته
هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل ولم يذكر شيئاً من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتاً آخرها قوله:
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة
قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
قال: فدخل عدي على عمر، وقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة.
فقال: ويحك يا عدي ما لي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد امتدح وأعطي ولك في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة.
قال: كيف.؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه.
قال: أو تروي من قوله.
قال: نعم، وأنشد:
رأيتك يا خير البرية كلها
نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا
عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدنساً
وأطفأت بالإسلام ناراً تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً
وكل امرئ يجزى بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه
وقد كان قدماً ركنه قد تهدما
فقال: ويلك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة.
قال: أوليس هو الذي يقول :
ثم نبهتها فمدت كعاباً
طفلةً ما تبين رجع الكلام
ساعة، ثم إنها لي قالت:
ويلتي قد عجلت يا ابن الكرام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان أستر له: لا يدخل علي والله أبداً، فمن بالباب سواه؟ قال: الفرزدق.
قال: أوليس هو الذي يقول:
هما دلتا في من ثمانين قامةً
كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فما استوت رجلاي في الأرض قالتا:
أحي فيرجى أم قتيل نحاذره؟
لا يدخل علي والله أبداً، فمن سواه منهم.
قال: الأخطل.
قال: يا عدي، أوليس هو الذي قال:
ولست بصائم رمضان يوماً
ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنساً بكوراً
إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير أدعو
قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً
وأسجد عند منبلج الصباح
والله لا يدخل علي أبداً وهو كافر، فمن بالباب سوى من ذكرت؟ قال: الأحوص.
قال: أوليس هو الذي يقول:
الله بيني وبين سيدها يفر مني بها وأتبعه. فمن بالباب دون من ذكرت أيضاً؟ قال: جميل بن معمر.
قال: أوليس هو الذي يقول:
فيا ليتنا نحيا جميعاً، وإن أمت يوافق موتي موتها وضريحها. فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد صالحاً لكان أصلح. والله لا يدخل علي بداً، فهل أحد سوى من ذكرت؟ قال: جرير.
قال: أوليس هو الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة، فارجعي بسلام فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقاً.
فأنشد قصيدته الرائية المشهورة التي منها:
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا
من الخليفة ما ترجو من المطر
جاء الخلافة، أو كنت له قدراً
كما أتى موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها.
فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حياً لا يفارقنا
بوركت يا عمر الخيرات من عمر.
فقال: يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقاً فقال: بلى يا أمير المؤمنين! أنا ابن سبيل منقطع.
فأعطاه من طيب ماله مائة درهم وقال: ويحك، يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر ولم نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله يا غلام : أعطئه المائة الأخرى فأخذها جرير وقال: والله لهي أحب مال اكتسبته في عمري. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض وأنشد يقول :
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه. وقد كان شيطاني من الجن راقيا.
5
العتاب من وراء الأبواب
إن الأصدق في الإنتقاد لسلوك الإستبداد والتعالي ما تقوله الجماهير حين تغلق عليها أبوابها ومنها سؤال هذه المرأة لزوجها
أنحن أنعم عيشاً أم بنو مروان؟
فقال: هم أنعم منا نهاراً ونحن أطهر منهم ليلاً.
6
نظرية أبو تراب في الرواتب
إن من أعدل ما سمعته في تقدير (الحد الأدني للأجور) ما جعله الامام علي بن أبي طالب رضي عنه حينما ضرب القياس في الحد الأدني من المعيشة مابين راتب السلطان وامتيازاته وحق الفقير حيث يقول:
إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الخلق حتى لا يتسع على الفقير فقره.
ومعني يقدروها أي يقيسون عليها ويماثلونها.
7
شاعر وأرض وحذاء
أصابنا في أول سنوات دراستنا في كليه الأداب بالجامعة ولع شديد للقصيدة الحرة وشعر التفعيلة وكان لنا حب خاص لأشعار السياب، درويش، البرغوثي، الماغوط والتجاني سعيد في قصائده البرمائية، برغم من أن البروف عبدالله الطيب وتلميذه الدكتورالحبر يوسف نور الدائم والشاعر اللغوي فراج الطيب كانوا يجلدونهم ليلاً ونهاراً بالعبارة الشهيرة (إن هذا ليس بشعر إنه ضرب من النثرالردئ) ورغم ذك كان لنا إعجاب ظاهر وخفي بمفردات الماغوط وصوره الدرامية
قال رحلتْ
قلت فلترحلْ
لست آسفا ولا نادماً
فهي ليست أكثر خلوداً
من المذابح والحضارات
ورغم حب الماغوط للشام (سوريا ولبنان) فإننا كنا نتداول عبارته الساخرة.