وما أشبه ليلة الخرطوم ببارحة اسطنبول

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

وما اشبه ليلة الخرطوم ببارحة اسطنبول

 

لا يخشون

اشتهر الكثير من العلماء بالتظارف وخفة الدم الصادقة والمزيف لاستعطاف الحكام، وقليلٌ من العلماء الفضلاء هم الذين لا يخشون من قول النصيحة وإن كانت قاسية عليهم وعلى الحاكم ومنها: ألح الذباب على المنصور في مجلسه حتى اضجره. فقال: انظروا من بالباب من العلماء.
فقالوا: مقاتل بن سليمان. فأدخلوه وابتدره بالسؤال: لماذا خلق الله الذباب؟
وعاين مقاتل تبرم المنصور فأجابه:
لكي يذل به الجبابرة..!!

 

الفصل بين السلطات

 

للجماهير وسائلها في السخرية والازدراء من الجهاز القضائي حين يكون مواليا للسلطان ومجافيا للعدالة وقيم الشجاعة التي يجب أن يتحلى بها القاضي دون رغبة أو رهبة.
ومن الحكايات التي تدين المخضعين السلطة القضائية للسلطة التنفيذية تعليق النخاس (بائع الحيوانات) حيث أتاه ابو موسى المكفوف فقال له: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر إن خلا له الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري ولا يدخل بي تحت البواري، إن اكثرت علفه شكر وإن قللته صبر. إن حركته هام وإن ركبه غيري نام
فرد النخاس: يا ابا عبدالله فإن مسخ الله قاضي المدينة حمارا اصبت حاجتك..

 

دورة حتمية للعرسان

 

اكتشف المجتمع الماليزي أن حالات الطلاق قد تزايدت جدا وسط العرسان الشباب فقرروا اقامة دورة حتمية لأي شاب وشابة قبل عقد قرانهم لتعليمهم وتدريبهم نظرياً على أسرار العالم الجديد المقبلين عليه.
وكانت دهشة الجميع عظيمة حين انحسرت حالات الطلاق الى نسبة ضئيلة جدا فلماذا لا نأخذ هذه التجربة لبلادنا ونقرنها بتجربتهم الاقتصادية الناجحة حتى نحارب الثلاثي اللعين : (العزوبة) والعنوسة والبطالة. ولنا إرثٌ في الدين والتجارب ما يكفي لهذه الدورة ويفيض، ومنها وصية هذه المرأة الحكيمة لابنتها العروسة:
أي بنيّــة .. إنك قد فارقت بيتك .. الذي منه خرجت .. ووكرك الذي فيه نشأت ..
إلى وكر لم تألفيه .. وقرين لم تعرفيه ..
فكوني له أمة .. يكن لك عبدا ..
واحفظي له عشر خصال .. يكن لك ذخرا ..
أما الأولى والثانية .. فالصحبة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ..
أما الثالثة والرابعة ..
فالتعهد لموقع عينيه .. والتفقد لموضع أنفه ..
فلا تقع عيناه منك على قبيح
ولا يشمن منك إلا أطيب ريح
والكحل أحسن الحسن الموصوف
والماء والصابون أطيب الطيب المعروف
وأما الخامسة والسادسة ..
فالتفقد لوقت طعامه .. والهدوء عند منامه ..
فإن حرارة الجوع ملهبة .. وتنغيص النوم مكربة ..
وأما السابعة والثامنة ..
فالعناية ببيته وماله .. والرعاية لنفسه وعياله ..
أما التاسعة والعاشرة .. فلا تعصين له أمرا ولا تفشين له سرا ..
فإنك أن عصيت أمره أوغرت صدره
وإن أفشيت سره لم تأمني غدره ..
ثم بعد ذلك .. إياك والفرح حين اكتئابه والاكتئاب حين فرحه .. فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير ..
وأشد ما تكونين له إعظاما .. أشد ما يكون لك إكراما ..
ولن تصلي إلى ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاكي .. وهواه على هواكي ..
فيما أحببت أو كرهت ..
والله يصنع لك الخير واستودعتك الله
بالله عليكم إلا تستحق هذه الوصية الذكية الموفية بان تكون في أحدي مقررات الأدب بالمدارس الثانوية بدلاً من ذاك الهراء الذي أقترحه علينا المارق القراي لا غر الله له عيناً.

 

محتويات

 

أجمل عنوان لهذه الحكاية خطر على بالي تعليق (الكلام على الشماعة) فقد نظر معاوية بن أبي سفيان إلى البجاد بن أوس الخطيب النسابة في عباءة رثة وهو يجلس في زاوية من المجلس.
فألقى علية نظرة تبينها البجاد فقد كان فيها إزدراء مخبوء وان لم ينطقها الخليفة فرد عليه:
يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك.. إنما يكلمك من فيها.
الكلام على الشماعة كما يقول أهلها والمروء والمراة بالمحتويات.

 

الله كريم كانت كافية

 

في بعض (الشحادين) لؤم وفي رد بعض الناس غباء فقد قرأت إجابةً لئيمة لشحاذ على اعتذارٍ غبي فقلت في حق المجيب (تستاهل)
فقد وقف شحاذ على منزل وسأل أهله أن يعطوه شيئاً فخرج اليه صاحب المنزل وقال معتذراً اليه: إن أم الصبيان ليست هنا
فرد الشحاذ: اصلحك الله سألتكم كسره وخبز ولم أسألكم المجامعة.

 

جبارٌ وخليفة

 

وقد اكتفيت تعليقا على هذه الاقصوصة بتعليق السودانيين الظريف (سنة يا الحيطة!) فعن عبدالله بن عياش قال المنصور يوما ونحن عنده: اتعرفون جبارا أول اسمه عين قتل ثلاثة جبابرة أول اسمائهم عين؟
فقلت: نعم! عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد وعبدالله بن الزبير وعبد الرحمن بن الاشعث.
فقال المنصور: أتعرفون خليفة أول اسمه عين قتل ثلاثة جبابرة اول أسمائهم عين؟
قلت: نعم! أنت يا أمير المؤمنين قتلت عبد الرحمن بن مسلم وعبد الجبار بن عبد الرحمن. وعمك عبد الله بن علي سقط عليه البيت.
وهنا اعترض المنصور: فما ذنبي إن كان سقط عليه البيت؟
قال ابن عياش: لا ذنب لك
وكان مقتل عبدالله قد تم بتدبير من المنصور والقصة معلومة في أيام العرب رحم الله ابن عياش فقد كان يحفظ لوحة ولا يهاب السؤال ولا الإجابة.

 

ثلاثون

 

جاء فقيه إلى المهدي بن المنصور وقال إن لديه بشارة له وهي أن حكمه سيدوم ثلاثين عاماً. فسأله المهدي الدليل على ذلك فأخبره انه سيرى ذلك هذه الليلة في نومه. وصح ما توقعه الفقيه اذ رأى المهدي مناما يشير الى ان حكمه سيدوم ثلاثين عاما. وارسل في اليوم التالي إلى الفقيه فعينه قاضيا.
عندما سئل الفقيه من بعض خلصائه عن سر ما حصل للخليفة في نومه قال: انكم لا تعرفون هذه المخاريق
وشرح لهم انه حين اخبره بهذه البشارة انشغل بها ذهنه وظل يفكر فيها قبل أن ينام فرآها في نومه
(ومن المعروف أن خلافة المهدي دامت أقل من ثماني سنوات!)
ومن الحكام الذين دام سلطانهم ثلاثين عاما ودال بتدبير خفي من قادة عسكرهم عمر البشير السوداني والسلطان عبد الحميد التركي. ولشوقي قصيدة بليغة في الانقلاب العثماني وتعزية عبد الحميد تصلح للتأمل والاعتبار وبيت القصيد فيها:
سُدتَ الثَلاثينَ الطِوالَ : وَلَسنَ بِالحُكمِ القَصيرِ
تَنهى وَتَأمُرُ ما بَدا لك : في الكَبيرِ وَفي الصَغيرِ
لا تَستَشيرُ وَفي الحِمى : عَدَدُ الكَواكِبِ مِن مُشيرِ
كَم سَبَّحوا لَكَ في الرَواحِ : وَأَلَّهوكَ لَدى البُكورِ
وَرَأَيتَهُم لَكَ سُجَّداً : كَسُجودِ موسى في الحُضورِ
خَفَضوا الرُؤوسَ وَوَتَّروا: بِالذُلِّ أَقواسَ الظُهورِ
ماذا دَهاكَ مِنَ الأُمورِ : وَكُنتَ داهِيَةَ الأُمورِ؟
(وما اشبه ليلة الخرطوم ببارحة اسطنبول).

 

بت ملوك النيل

 

قابلت قبل سنوات مجموعة من الشعراء العرب في مقهى وريف قبيل معرض دمشق للكتاب، وكنت في زيارة لعاصمة الأمويين، وكانت يومها أنيقةً وخضراء قبل أن يضربها الاستبداد وتحطمها آلة العلويين الجهنمية في تصفية الخصوم.
طلبوا مني أن أقرأ لهم بعض أشعار أهل السودان، فقرأت لهم لصلاح أحمد إبراهيم (عيناك)، وقرأت لهم عهد جيرون للعباسي، وقرأت المولد لمحمد المهدي المجذوب، وقرأت عليهم بعض الرحيق من (أنا والبرتقالة أنت) لمحمد المكي إبراهيم، وبعض الأشعار القومية لعكير الدامر وود شوراني وشيخ العرب الحاردلو.
فأقسموا جميعًا أن أجمل الشعر الذي سمعوه منذ أعوام هو الشعر الذي قرأته عليهم، واتفقوا جميعًا على أن الشعر في السودان، لا في العراق ولا مصر ولا الشام.
ولعنوا أمامي سطوة الإعلام الذي يظلم شعراء في قامة هؤلاء.
وعندما بثّوا هذه الاعترافات ازددت فخرًا، وقلت لهم:
وفوق ذلك، فإن الشعب السوداني له غناءٌ أجمل من كل الغناء العربي والإفريقي والعالمي.
وكنت لحسن الحظ أحفظ رائعة سيد عبد العزيز التي صدّرتها بقولي:
إن أجمل قصيدة عربية شعبية قيلت في حق امرأة هي (بت ملوك النيل).
وقد قرأت عليهم النص باحتفاءٍ كبير، فطلبوا مني بلا استثناء أن أكتب النص، وقاموا بتصويره، وأنشدوه أمامي حتى لا يخطئوا في العامية السودانية، وكنت أمتع نفسي وأجتر تلك الذكريات الجميلة.
أرجو أن تحفظوا القصيدة يا شعراء، أما جمال الأداء عند الكابلي فقد أخفى جمال القريض.
رحم الله سيد عبد العزيز، الذي قلت عنه في أحد البرامج: كان محمد ود الرضي فقيهًا، وكان العبادي مادحًا، وكان أبو صلاح واصفًا، أما سيد عبد العزيز فكان شاعرًا.
يا بت ملوك النيل يا أخت البدور
مين لي علاك ينيل في البدو والحضور
الجبرة فيك بتخيل.. محمية الحما
الما حام حداه دخيل
ما كان أبوكي بخيل.. بت عز الرجال
أهل الدروع والخيل.. والهنا… والسرور
يا السامية ست الجيل.. طرفك من حياء
في عصر السفور خجيل
حسنك وضع تسجيل.. في صحف الدهور
يتلوه جيل عن جيل.. لي يوم النشور
الهيفا يا الخنتيل.. حروف آيات محاسنك
أرتلن ترتيل
يعجبني فيك تمثيل أخلاق الملاك
في سطوة القتيل.. الفارس الجسور
غضنك رطيب وعديل.. شعرك ليل
جبينك يخجل القنديل
النور عليكي سديل يا معنى الجمال
الما أتوجدلو عديل.. في ناس ولا حور
فقتي اللكانوا قبيل ماخدات فى الجمال
جائزة (نوبيل)
حيرتي كل نبيل.. عيناك سحرهن
يسحر سحر بابيل.. يخترق الصدور
يا صاحبة الأكليل ما أظن النهار
العين تدورلو دليل
محياك نورو جليل.. كنت أقول شمس
لو ما الزمان كان ليل.. أنتي عليك نور
لا زلت ليك أميل يا رمز السعادة
الما أتوجدلو زميل
يا آية التكميل يا مراية الجمال
الفيكي كل جميل.. ريحانة العصور