
إن مدينة تزينها الأميرات بالشهادة لن تهزم أبداً
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
إن مدينة تزينها الأميرات بالشهادة لن تهزم أبداً

المدخل الأول
قال تعالى مواساة لجراحات المجاهدين والمجاهدات والشهداء والشهيدات بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
صدق الله العظيم
المدخل الثاني
عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :عِندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ : يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ ويَرى مقعدَه منَ الجنَّةِ ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ ويأمنُ منَ الفَزعِ الأكبرِ ويُوضعُ علَى رأسِه تاجُ الوقارِ الياقوتةُ مِنها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها ويزوَّجُ اثنتَينِ وسبعينَ زَوجةً منَ الحورِ العينِ ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه
المدخل الثالث
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يجدُ الشَّهيدُ من مسِّ القتلِ إلَّا كما يجدُ أحدُكُم من مَسِّ القرصةِ
المتن والحاشية
أكثر الحروب والمعارك والملاحم والمواقف الدامية حزناً تلك التي ترتبط باستشهاد النساء فإن بسالة المرأة وتجردها واستشهادها يُحِيل الرقة إلى مكون مبارك يُزيح ظلمة الدروب المتناسية والمسالك الكذوب. تلك القافلة الغافلة التي ظلت تتفرج وتشاهد في بلاهة تاريخية للفاشرالأسطورة وهي تُكابد وعثاء الزمان والمكان. الفاشر أعظم مدن التاريخ سِيرة وسَريرة هذه المدينة الملقاه في قلب الصحراء ظلت تقاوم لثلاثة سنوات ، كل شئ فيها كان بمقداروشُح ، الماء والغذاء والكساء والدواء والرصاص كل شئ من هذا مَوسومٌ بالشح والضآلة، الشي الوحيد الذي كان كبيراً وباهراً ووافراً هي إرادة الإنسان ومبدئيته وعقيدته وشجاعته. ظلت الفاشرالأسطورة لمدة أربعين شهراً بالتمام والكمال صامدة وصابرة ومحتسبة حتى بُح صوتها للأقريبن والغرباء والدول والمنظمات والأمم المتحدة ومجلس الأمن وكبا الدول العظمى التي خلقت من طينة الظلم والحقارة والنسيان. أكل الناس فيها كل شئ حتى خَشاش الأرض وعلف الحيوان وبحت أصوات الأطفال بنداء الجوع واليأس والمرض حتي اندثروا كيابس العيدان وحشائش الصيف والجَدَب وشجيرات السافنا الفقيرة . قاتل الجميع لكل شئ جيشٌ وشعبٌ ومقاومةٌ وصبيانٌ وصبايا وأطفالٌ وصحارى وتضاريس قاتلوا بالبندقية فلما تحطمت قاتلوا بالعصي والهراوات فعندما تحطمت قاتلوا بالأظافر وعندما تهشمت قاتلوا ببقيا الِسنان والأسَنان أدارالبغاة في مواجهتهم أكثر من مئتي معركة صدوها في بسالة تُماثل المعجزات. كان كل شئ ضدهم الطبيعة والعواصم والقواصم والعواصف في الجوار وفي الإقليم وفي العالم كان الجناة من عصابة دقلو يشترون كل الأسلحة الحرام من المليارات التي سرقوها من شعبنا ليقتلوه بها ورغم الفظائع التي ارتكبوها ضد مخيم أبو شوك وزمزم إلا أن هذه الطائفة لطاهرة من أهل الفاشر رفضت في إباء أن ترفع الراية البيضاء ،لم تستسلم ولم تنحني ولم تنكسر حين إكتسح الجراد الصحراوي الجهنمي من جنود الشيطان عاصمة السلطان وكاسية الكعبة في نهار بئيس قتلوا عند الإجتياح كل من قابلهم الآباء في المساجد والشيوخ في الملاجئ والنساء في التكايا والأطفال في أطلال الخلاوي، دمروا وقتلوا وحرقوا وصوروا بجدارة واحتراف ومهنية وثقوا كل فظائعهم وسقوطهم وقذارتهم ووزعوها علي العالم بلا حياء دليلاً على توحشهم الذي فاق توحش الذئاب الكواسرالجائعات. ودليلا آخرعلى أن الشعب السوداني ظل وما زال يصادم فيلقاً يقوده الشيطان ويدربه هولاكو ويثيره نيرون وفي الحقيقة أن كل هؤلاء الطغاة أرفع مقاماً في البشاعة من المجرم السفاح حمدتي وشقيقه عبدالرجيم وبقية العصابة المرزولة. نعم إن أعظم المعارك التاريخية هي التي تتقدم فيها الشهيدات الأميرات السواطع وهن يقفن كتفاً بكتف مع الشهداء الرجال وفي كثيرالأحايين يتفوقن بالبندقية والتيكة وزَمانة الجرحى وتضميد الألم وتجفيف الدموع، مع موهبة الحِداء الهاتف المحرض للمقاتلين من المحاربين البواسل وعشاق الشهادة والجنة والباحثين عن رتبة المصطفي صلى الله عليه في المقام الأرفع.
إن الشهيدات هنادي النور وسهام حسن حسب الله أصغربرلمانية سودانية وأميرة التكايا والشهيدة آسيا (آسيا الكبرى) التي ظلت هي صوت الجيش وصوت الشعب وصوت المحاربين والشهداء هي الرمز والأسطورة التي كانت تنقل لكل العالم أخبارالأنين علي قسوة الجراح والحنين لأنغام الإتحاق بمسيرة الشهداء التي ضمخت ثراء دارفور بالدم الطاهر حتى فاضت وأثمرت لأطفال الغد النائمون في رحم الغيب والعائدون في الغد القريب لإكمال المهمة والرسالة. هذا الثلاثي الباهر من النساء الصالحات العارفات هن الذين أحلن مفردة الرقة إلى شعار وهتاف وشارة فقد صارت راء الرقة (رسالة) وصار قاف الرقة ( قضية) وصارت تاء الرقة ( تاريخ) ومنذ البارحة لم يتوقف هاتفي ولو لدقيقة واحدة وهي يحكي لي مآثر الأثيرة آسيا لقلوب شعب دارفور وأهل مدينة الفاشر التي صارت لهم ملاذاً ورمزاً وحفاوة تملأ القلوب أملاً حين يضيق الأفق ويعز المصير. حتى نهايتها الباهية كانت قصة تروى وحكاية تتسم بالبشريات والمهابة فعندما دخل الأوباش مقرمنظمة العون الإنساني طلبوا من الجنود الذين كان يحمونها بأن يسلموهم آسيا وسوف يمقابل أن يضمنوا لهم النجاة والعفو فرفض أبناء القوات المسلحة والمقاومين العرض الرخيص وفتحوا صدورهم العارية حماية لصوت الإنسان المتمرد علي السقوط والإنكسار والهزيمة وعندها أعدموهم جملة تساقطوا كاشجار الهشاب المثمر وبعد سقوطهم المهيب نالت الرصاصة الأخيرة صدر آسيا وهي تكبر باسم الله والحرية والوطن لم ينالوا منها لا إغتصاباً ولا تعذيباً فقد وقها الله شرذلك اليوم ولقاها نضرة وسرورا،وأرسلها حفية نقية ندية صوب الجنة ولحقت بزوجها الشهيد الذي إستشهد قبل أشهر فتواعدا علي الخير والشرف والجنة وياله من موعدٌ وياله من لقاء. كانت الشهيد في آخرأيامها كما روى لي الرواة بأنها كانت شديدة الإحتفاء بالشهداء في التاريخ البشري والإنساني وكانت تحكي للملتفين حولها حكاية إستشهاد آسيا بنت مزاحم والشهيدة ماشطة بلاط فرعون وكانت تبكي عندما تحكي لهم قصة استشهاد سمية بنت الخياط وقد وقف المصطفى صلى الله عليه وسلم يشاهد صبرها وعزابها وقد بللت لحيته الشريفة الدموع وهو يواسي بقوله ( صبراً آل ياسرفإن موعدكم الجنة ) وكانت أيضاً تحكي بلغة حافلة ومَوارة بالقيم والرفعة وعامرة بالحزن المُشعِ تفاؤلاً وأملاً قصة إستشهاد الإنتحارية الشهيدة الفلسطينة دلال المغربي واللبنانية سناء محيدلي التى فجرت نفسها وقلت من الصهاينة العشرات ورحلا صوب الجنة. كانت الراحلة آسيا تجيد ممازحة الجنود والمجندات بلطائف الشعر والمراثي فقد كانت شاعرة وكانت تدندن بصوت خفيض وهامس ووسيم أنشودة أول مجندات الجيش السوداني بسلطنة سنار
أنا شريفة بت بلال
بت العسكر العُدال
سنة حرابة سنار
سنة الكِبِس والشوتال
أنا كاتَلت مع الرجالن
نعم يا آسيا فأنتي لم تقاتلي معهم بل قاتلتي أمامهم وزدتي عليهم بالشعروالكلمة المرفرفة والمسافرة صوب الأعالي والمعالي ،وقد صدقت الأقوال والأفعال المرتبطة بأشراف الأمور بأن كل أمة تَتَشح مساءاتها بالحزن النبيل ضد الظلاميين والخونة والعملاء ستشرق عليها شمس الإنتصار ولو بعد حين وأن مدينة تُجمل جيدها الجواهرالأغلى هنادي وسهام وآسيا لن تهزم ولن تندثر ولن تنكسر ولن تتلاشى أبدا.
مضت هنادي وسهام وآسيا إلى الجنة الموعودة للأخيار والأطهار وأبقت لنا الموت الرتيب في ثوبه الجديد والقديم نتدثر به حزناً ولوعة ودمعاً ونفثات ونُعد له المشرفية والعوالي ولم ينالنا منه صبر ولا دواء من أَدَواء الخيانة والعمالة وأطماع القريب وقلة النصير وقد تكسرت النصال علي النصال وصدق الحكيم الذي نتعزى بكلماته ليل نهار
نُعِدُّ المَشرَفِيَّةَ وَالعَوالي
وَتَقتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ
وَنَرتَبِطُ السَوابِقَ مُقرَباتٍ
وَما يُنجينَ مِن خَبَبِ اللَيالي
وَمَن لَم يَعشَقِ الدُنيا قَديماً
وَلَكِن لا سَبيلَ إِلى الوِصالِ
نَصيبُكَ في حَياتِكَ مِن حَبيبٍ
نَصيبُكَ في مَنامِكَ مِن خَيالِ
رَماني الدَهرُ بِالأَرزاءِ حَتّى
فُؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ
فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ
تَكَسَّرَتِ النِصالُ عَلى النِصالِ